أوجدت الأحزاب كمنظم لعملية التباين والإختلاف بل والصراع بين الجماعات، وكوسيلة لإظهار نجاح طرف او تبيان فشل آخر من خلال الإنضواء ، وممارسة النقد والتصحيح لمسار السياسة تحت غطائها، فهي المحرك الأٍساسي للعبة السياسية مع إختلاف دور الأحزاب بإختلاف المعتقدات السائدة في المجتمع ودرجة تقدمة، فالأحزاب محور الديمقراطية ومرتكزها الرئيس وبها يستطاع الحكم على العملية الديمقراطية في بلد ما، بالنجاح او بالفشل اللذان لن يكونا سوى نتيجة للنظام الحزبي والعملية الحزبية.
أستطاعت الأحزاب في الغرب أن تلعب دورا مهماً في العملية التقدمية وبلوغ الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، بينما لم تستطع مثيلاتها العربية التأسيس لبنية ديمقراطية صحيحة ! لماذا ؟ تبدو الإجابة مؤسفة ! لأنها ليست سوى تجمعات ديكورية تعتمد على التقليد والماضي، هشة البناء غير منبثقة عن تمايز وتباين فكري ثقافي بل غالبيتها تحمل قالب واحد متبادلة الأمكنة فيما بينها وإن أدعت غير ذلك، فالعلاقة بينها علاقة إنتظار أخطاء كل منها، لكي تستطيع الأخرى النقد والكسب الجماهيري لا عن طريق ورقة البرامج والتي من خلالها سيحرص كل حزب على وضعها بطريقة تلبي رغبات المجتمع والحرص على تنفيذها عند الوصول للسلطة لأجل كسب مشروعية إستمراره وفقا لنجاحه في تنفيذ برنامجه، لاعصبويته وطائفته وإنتماء قادته وميولاتهم الفكرية.
أصبح دور الأحزاب في العالم العربي مقتصرا على الضجيج الاعلامي والتحشييد دون إحداث اي تغيير إيجابي في العملية السياسية، مع أنها قد تتشابه مع الأحزاب في الغرب من حيث الإدارة، والهيكل، وتراتيبية المؤسسة الحزبية ،وتحديد مهام كل فرع تنظيمي فيها، إلا أن هذا التشابه ليس سوى في المسميات والتقسيم، مع الخواء من الداخل وإفتقارها لأي إرادة كلية مستقله عن المركز بل أنها قد لا تستطيع إجراء اي تغيير وظيفي في أجهزتها الفرعية دون الرجوع إلى رأس الهرم في الحزب، ولهذا فهي ليست سوى عاهة تضاف إلى الجسد العربي المثخن لإفتقارها لإيجابيات التواجد والحضور، ولن تستطيع إحداث أي تغيير حقيقي بشكلها القائم وبحقيقتها الماثلة لإتسامها سلباً بالعديد من الصفات او الأسباب تحول دون تحولها إلى أحزاب فاعلة ومفيدة للفرد والمجتمع والدولة ككل منها :
اولاً: الأيديولوجية المتزمتة المنغمسة في أبجديات الأحزاب العربية وهي أيديولوجية متخلفة لا تحافظ على التقليد بقدر ما تريد العودة الماضي وإستجلاب إنجازاتة وإسقاطها في حاضر لا يعترف إلا بالنجاح لا بماضيه وهذه احزاب كارثيتها أكبر من عدم وجودها لأن مرامها العودة للماضي لا التقدم وإلانطلاق نحو المستقبل ،
ثانياً: بطركية الأحزاب العربية الهشة التنظيم والوقتية التحشيِد تحركها عواطف ورغبات لا برامج وسياسات ، يستند وجودها على الشخص القائد، ذاك العظيم الذي تستلهم مقولاته لاحقاً كأبجديات وثوابت في الحزب إن كتب له الإستمرار بعد موت القائد الملهم وهذا ما نستطيع أن نطلق عليها بالأحزاب التراثية ماضوية الفكر والرؤية، وهي أكثر الأحزاب إنغماساً في التسيب واللإدراك والإنعدام التنظيمي
ثالثاً: شعبوية او جماهيرية الأحزاب التي تستند على إتجاهات الأمزجة، ولحظات الإنتشاء المجتمعي تجاه قضايا معينه أو تأففها من أخرى، فتتبدى هذه الأحزاب كوعاء وحامل لهذه الرغبات وأضدادها في المجتمع ولا تنبني على أي معايير أو برامج، بل أنها تكسب قاعدة شعبية اليوم وتخسرها غدا بطريقة دوغمائية، وقد تجلت مثل هذه الأحزاب في الربيع العربي ولحظات الزخم الشعبوي .... ثلاثة أسباب او لنقل ثلاث عاهات مصابة بها المؤسسات الحزبية في العالم العربي التي تعد حجر عثرة في سبيل أي أماني أو رغبات في التغيير والدمقرطة والتحول في المسار الجمعي للدولة والمجتمع .!
في اليمن وهي النموذج الأبرز للأحزاب التراثية الهشة، التي لم تستطع أن تتحول إلى أحزاب ذو بناء تنظيمي محترم ولا أستطاعت أن تحافظ على الدولة اليمنية التي تنهشها اليوم المليشيا وتستبيح مؤسساتها ووجودها الكلي، بل أنها أسهمت بشكل أو بآخر بعملية الهدم القائمة ومهدت الطريق لبروز جماعات عصبوية وطائفية ممزوجة بالتخلف القروسطي الذي أضحى اليوم هو شوكة ومعياراً للوطنية، ومقوماً للواقع الآني داخل المجتمع اليمني !
تزاوجت الأحزاب والقوى السياسية في اليمن مبكراً مع اللاوطنية والرضوخ لتداعيات الواقع بكل سلبياته والعمل على ترسيخ منهج القوة بالصمت وإقتصار مهمتها على التهيئة لهذا الوضع القائم، لإفتقارها لعوامل القدرة على التغيير وصنع أبجدياتة تحت يافطة الحزبية، بل التمركز خلف القبيلة والبدائية المجتمعية وإحلال متغيرات تناسبها بكل كارثيتها (المتغيرات) وتأثيرها على النسيج المجتمعي، وتهديدها للدولة كوجود إبتداءاً وكسلطة ونظام.







شارك برأيك