١ الجغرافيا (أو الأرض والإنسان بالمعنى البسيط) ثابتة فيزيائيا ومتحولة ثقافيا. قبل تكون اليمن بلاد إسلام كانت بلاد مسيحية ويهودية وقبلها عبادات أخرى.
وبعد الإسلام عرفت اليمن مذاهب عدة وكانت شيعية حتى الحملة الأيوبية التي سننتها. لا يستطيع احد أن يدعي أن المنطقة الفلانية سنية أو شيعية.
بالتالي فان المحاججة بأن وجود جماعة مقبل الوادعي في صعدة كان غرسا ثقافيا مضادا واستفزازا مباشرا للزيدية في صعدة (معقل الزيدية- ومعقل هذه لها دلالات عسكرية أكثر من الدلالة لفكرية ) هو ادعاء واهٍ وعلى الضد من حرية الضمير.
ومثله ادعاء باطل بان انتشار الحوثية في مناطق أخرى هو تضاد للجغرافيا السنية للشافعية التي هي أصلا متحولة من شافيعة إلى وهابية وهكذا.
وقبل التواطؤ الجمعي ( المحلي والدولي) لطرد السلفيين من منطقة دماج تواطأ الجميع في طرد اليهود من صعدة.
من حيث المبدأ يحق لكل صاحب دعوة لاهوتية عقائدية دينية أن ينشر دعوته لطالما وهي لا تتناقض مع حرية المعتقد ولا تدعو إلى عنف واقتتال.
فلا يمكن رفض الآخر لمجرد انه مختلف وعلى دعاة الحرية وحماة الحقوق ان يقف مع أنفسهم موقف صدق من تلك الوقائع وإلا يقعوا في أفخاخ السياسة لأن خطابهم إلى اللحظة يثبت أن معظمهم متاجر متناقض متعصب.
٢ ها نحن نشهد تشييع مكثف في اليمن بفضل الحركة الحوثية التي تنفخ في أحشاءها تشيعا صارخا أكثر مما هو معهود في الزيدية.
يتمثل هذا التحول في إحياء صاخب لمناسبات دينية تخص هذه الجماعة ترتبط ارتباطاً عضوياً في الوقت الراهن بمراسم الاحتفاء لدى شيعة العراق وتعيد إنتاج خطاب وممارسات تشيعية الغرض منها التفرد الثقافي وتأكيد الارتباط العضوي بشيعة العراق وإيران وأيضاً تحقيق التحول والقطيعة مع التراث الزيدي الذي آل إلى نسخة يمنية بامتياز لم تحظ باعتراف الحوزات الشيعية به.
إلا أن الأمر يتجاوز البعد العقائدي ويقع في صميم الفعل السياسي. فالمناسبات التي يتم إحياؤها في هذه اللحظة هي ذات محاميل سياسية بصيغة طائفية بامتياز وهي تزيد من تعميق الهوة بين مكونات المجتمع اليمني.
علاوة على الأهداف الخاصة من هذه المناسبات من قبيل التحشيد وشد الناس إلى فكرة معينة وإبقائهم على أهبة تسلبهم قدرتهم على التفكير في جوهر هذه الأعياد والمناسبات - كما يشير إلى ذلك حسين الوادعي في منشور سابق له تناول هذه الظاهرة الكاتب حسين الوادعي بتفصيل شائق - فإنها مناسبات غير قابلة لان تكون وطنية ولا يمكن التعامل معها من زاوية ثقافية.
لا يمكنك المشاركة في فعالية دينية تريد منك أن تمتثل لها سياسياً. كأن تشارك في احتفاء لجماعة تدعي فيه أحقيتها بالحكم.
وأسوأ من ذلك أن تذهب لتشارك في مناسبة دينية هي إحياء لذكرى مقتل زعيم ديني وسياسي تتعامل معك هذه الفعالية على أنك مذنب ومتورط في قتل ذلك الزعيم.
ثم إن إحياء هذه المناسبات على هذا الزخم في طل الأجواء المأساوية التي تعيشها البلاد هو تكريس لمشروع ضيق ما قبل وطني يعزز خصوصياته على حساب القضايا الوطنية.
إذ لن يتم في مناسبة كهذه النظر إلى الديمقراطية أو ليبرالية الاقتصاد وفردانية الفرد في إطار مراجعة فكرية وتجديد ولكن سيتم التذكير بمساءلة سياسية وإعادة تشخيص القاتل في شعوب اليوم وتقليص إمكانيات الحوار وتجاوز الماضي.







شارك برأيك