حالما بدأت روسيا مراحل حملتها العسكرية الأولى في سوريا، شن إعلام العالم حملات ملحمية على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، واستنكر الدوافع الاستراتيجية الروسية في سوريا.
فهل تعد هذه العملية الإعلامية تجددا للألم العصبي المرتبط بالحرب الباردة، أم هناك شيء أعمق من ذلك يحدث تأثيره هنا؟
يمكن للمرء أن يرى أيضا أن رد الإدارة الأميركية على المبادرة الروسية متأرجح. ففي البداية تبنت واشنطن منهاج مضي الأمور كما هي، مشيرة إلى أن حملتها وحملة حلفائها الجوية ستمضي قدماً من دون تغيير. إلا أن الإدارة الأميركية بدت عقب ذلك مصدومة من سرعة التحرك الروسي ونطاقه.
حرب إعلامية
ومن الواضح أن منهاج مضي الأمور كالمعتاد، في هذه الظروف، كان أمراً غير عملي. وطالب وزير الخارجية الأميركي جون كيري على الفور بإجراء تنسيق عسكري من شأنه أن يبقي على الطيران الأميركي والطيران الحليف محلقاً، على الأقل، في الأجواء السورية.
وتمثل النهج الثاني في محاولة إرجاع المبادرة السياسية إلى أميركا عبر التسليم بالدور العسكري لروسيا، في حين تحاول تحديد المعايير، لا سيما تنحية الرئيس السوري بشار الأسد من منصبه، وهو ما سيتطلب عملاً كبيراً وإعادة صياغة للقيادة السورية، الأمر الذي سيكون لأميركا دور رئيسي فيه.
بريطانيا وفرنسا من جانبهما ماضيتان في استراتيجيتهما لضمان الإدلاء برأيهما في أي نتيجة نهائية.
ويبدو أن التكتيك الأميركي الثالث هو «الاحتواء»، حيث تمضي حرب إعلامية هائلة لتشير إلى أن الروس ألزموا أنفسهم بمهاجمة تنظيم «داعش» فقط، وليس أي أحد آخر، بينما لم تطرح روسيا هذا الالتزام، ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف واضح بشأن أن روسيا تستهدف تنظيم «داعش» و«جماعات إرهابية أخرى»، على غرار ما قالت روسيا على الدوام إنها ستفعل.
توماس فريدمان يضع في صحيفة «نيويورك تايمز» بريقا مختلفا إلى حد ما للأحداث، قائلاً: دعوا فلاديمير بوتين وحلفاءه يحاولون هزيمة تنظيم «داعش». ولكن عندما يفشلون، ويجدون أن العالم السني انقلب ضدهم، فإن الروس سيحتاجون إلى من يساعدهم، وواشنطن ستكون قادرة على مساعدة بوتين للتراجع عن خطئه الاستراتيجي.
حماية القواعد الجوية
إذاً ما الذي يفعله الروس؟ بداية، هم يخوضون حربا ضد مجموعة من الأهداف الإرهابية. ومن غير الممكن أن هذه المرحلة ستستمر وقتا طويلا، ومن ثم فإن الوضع سيتغير بذكاء. وبالنظر إلى أنه تم تدمير الأهداف الأولية، فإن الهجوم الأرضي سيبدأ بقيادة الجيش السوري (مع وجود دعم مباشر من حزب الله، وتواصل كل من المسؤولين الروس والإيرانيين).
الأمر الذي سيختلف الآن هو أن القوات البرية ستستفيد أولاً من الدعم الجوي. وبينما لن تنخرط القوات البرية الروسية مباشرة في حملات برية لدعم الجيش السوري، فإن القوات الروسية ستعمل مباشرة على ايجاد مناطق آمنة حول قاعدة اللاذقية الجوية كي تحميها. ولن يضطر الجيش السوري إلى الوجود بشكل دائم في المنطقة، ليكون جاهزاً لأداء مهام أخرى.
وحتى الآن يبدو أن الروس (وهو ما يظهر من خلال حملاتهم الجوية) عازمون على القضاء على أي تهديد معاد لقواتهم في منطقة اللاذقية. وتوجد القاعدة الجوية الروسية على بعد 20 ميلاً جنوب اللاذقية، وهذا معيار طريقة عمل الجيش.
أما الأهداف الثانوية والأخرى فإنها تتمثل في تأمين الطريق السريع «إم 4» بين اللاذقية وحلب، بشكل يستهدف جيوب قوات المعارضة المتاخمة للطريق السريع، وفي المناطق التي يسيطر عليها الجنود.
لا يوجد شيء سياسي خلف مثل هذه الهجمات، وإنما تعزيز قدرات المجموعات المحاربة الموجودة هناك. ويبدو من الواضح أن الروس يحضرون لعمليات برية لاحقة يشنها الجيش السوري. فالقوات الجوية الروسية تؤمن خطوطا من الدعم اللوجستي للجيش السوري، وتعمل في الوقت ذاته على حرمان المتطرفين من مثل هذه الخطوط.








شارك برأيك