يبدو أن لقاء التشاور على طريق الحوار الوطني المنعقد تحت مظلة أحزاب اللقاء المشترك قد أفضى عملياً إلى التخلص من أللقاء المشترك نفسه وبات يطرح بشكل غير مباشر مايسمى بمؤتمر الحوار الوطني كبديل سياسي "للمشترك" بعد أن أدى هذا الأخير دوره المطلوب منه بالكامل خلال المرحلة الماضية ككيان يفتقد عملياً إلى كل أدوات وآليات المعارضة الحقيقية.
بيدّ أن عودة الرئيس علي سالم البيض إلى المسرح السياسي اليمني أنهى في تصوري حقبة زمنية كاملة من أسلوب المعارضة اليمنية المدجنة من قبل السلطة والمتمثل بأحزاب [اللقاء المشترك] وبخاصة الحزب الإشتراكي الذي فقد قدرته على التأثير السياسي ودوره القيادي بعد حرب 94 .
فجاء إعلان البيض عن ترأسه لمجلس الثورة السلمية الشعبية مؤخراً ليكون بهذا الإعلان قد رمى المشترك والإشتراكي كخرقة بالية وممزقة ومهلهلة في وجه الرئيس علي عبدالله صالح الذي عمل طيلة الفترة الماضية على تفريغ هذه الإحزاب من مضمونها وجعلها مطية يعتلي سنامها أمام المجتمع الدولي.
ظهور الحراك الجنوبي على الساحة السياسة منذ أكثر من عامين سحب البساط عملياً من تحت اللقاء المشترك وتركه يترنح بشدة فاقداً الوعي وألأهلية إزاء ما يجري من أحداث على مستوى الساحة اليمنية لاسيما في الجنوب اليمني. بل أن ألحراك تمكن من تعرية اللقاء المشترك لدرجة أنه وقف حياله عاجزاً عن ستر أو تجميل الإقنعة التي كان يرتديها بيافطة المعارضة.
وفي الوقت نفسه ترك السلطة عارية دون أي رداء تتلحف به أو أية مساحيق تتزين بها لتغطية عيوبها أمام المجتمع الإقليمي والدولي.
وتجلى هذا العجز منذ بدايات تحرك الشارع الجنوبي الذي لم يتمكن حياله اللقاء المشترك كمعارضة من إلتقاط رسائله وجس نبضاته منذ البداية وتبني همومه ومطالبه والدفاع عنها كحقوق مشروعة في إطار مهماته الأساسية كمعارضة تمثل الشعب اليمني بكل مكوناته. وهذا العجز ليس الأول من نوعه فقد سبقه في ذلك عجزاً آخر تمثل في السكوت عن حروب صعدة وتداعياتها منذ سنة 2004 حيث لم يكن للمشترك موقفاً أو فهماً واضحاً فضلاً عن معرفة أسباب هذه الحروب ، كما جاء في تصريحات قادة هذه الأحزاب أنفسهم ، لذا لم يتمكن هذا المشترك من سبر أغوار التململات والتقلصات التي حدثت وتحدث في ثنايا الشارع اليمني وترجمتها إلى حراك في وجه السلطة لثنيها عن الحماقات التي ترتكبها في صعدة وغيرها على طول البلاد وعرضها ، بل ظل يحاور نفسه في جدل بيزنطي تاركاً الحبال على الغارب للسلطة ، كما جرت العادة ، بالعبث وإتخاذ سياسات الترغيب والترهيب التي لا تتفق من الدور الرسمي والواجب المنوط بأجهزة الدولة الذي ينبغي القيام به بحرص ومسؤولية في مثل هذه القضايا المصيرية الهامة بالنسبة للوطن والمواطن.
ويعود هذا الفشل والعجز لأسباب كثيرة أهمها إفتقار النظام السياسي للآليات المفعلة لأدوار المعارضة بشكل إيجابي وتلقائي في مثل هذه الظروف ، بالإضافة إلى أن مكونات المشترك حملت بذور هذا الفشل في طياته منذ البداية لآنه أصلاً لم يؤسس للقيام بمثل هذه الأدوار الوطنية في حالة حدوثها بإعتبار أن وجوده كمعارضة لم يكن الهدف منه إلا ليشكل "بروازاً" جميلاً لصورة وشكل السلطة الهلامي الهش الذي ليس له صلة بإدارة البلاد لا سيما بعد حرب 94 والتي قامت أساساً لتحييد المكونات الديمقراطية من التدخل في سياساتها المبينة على الغنيمة والفيد والضم والإلحاق.
لذا لم تتمكن السلطة والمعارضة المتمثلة بالمشترك على السواء نتيجة إستمرار الحراك وتطوره من مواجهة إستحقاقات الإنتخابات البرلمانية المقررة في ال 27 من أبريل الماضي مما أضطر الطرفين على التعامل مع هذا الإستحقاق الهام بإستهتار كبير وذلك من خلال التوقيع على إتفاقية التأجيل دون رجوع الموقعين من أحزاب المعارضة لقواعدهم الحزبية ودون إستفتاء شعبي كما ينص الدستور ودون أخذ أي ضمانات أو إلتزامات من طرف السلطة لتصحيح الأخطاء خلال الفترة المتفق عليها وهي مدة سنتين مما ضاعف وأعاد إنتاج الأزمة بمخالفات دستورية واضحة جعلت البلاد تقع في حالة فراغ دستوري فاضح ، لكنه مادام أن بلادنا لا تعرف تطبيق الدستور ولا القوانين من باب أولى فما يضيرنا حدوث فراغ دستوري ، لذا أصبح الأمر عادياً وطبيعياً لدى أجهزة النظام كأنما لم يحدث شيئاً وهذا طبيعي في بلد لا تحكمه المؤسسات الدستورية والقانونية. فسبب هذا الاسترخاء على رفع ومضاعفة سقف الأزمة بسرعة هائلة لتصل إلى حالتها الراهنة.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد ، بل عندما ضمنت السلطة التمديد لها لمدة عامين آخرين دون التزامات مقابل هذا التمديد لم تكترث حتى بالرد على المعارضة الممثلة باللقاء المشترك الذي وقع معها هذا التجديد المخل وقالت على لسان الدكتور عبدالكريم الإرياني بإن الحوار معها أصبح من مخلفات الماضي وأن الظروف السياسية الراهنة قد تجاوزت ذلك الحوار مع اللقاء المشترك وأصبح الحوار مع كل الفعاليات السياسية المتمثلة بلقاءات التشاور الوطني التي ضمت كل الشرائح السياسية والدينية والاجتماعية والقبلية وغيرها في إطار حوار "إنقاذي" كما أسماه الإرياني. أذاً أنتهى الدور ..
وأنتهى الدرس .. فلم تعد هناك حاجة لما يسمى بالمشترك ككيان سياسي لا سيما وان لقاء التشاور قد حل محله. وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه بأن دور المعارضة لدى النظام القائم إنما هو دور شكلي وتجميلي لا أقل ولا أكثر يلبسه ويخلعه الحاكم متى ما يشاء وكيفما يريد.
ومن ناحية أخرى ، وكرد عملي لذلك لا نعرف إذا كان محسوباً أو مصادفاً ، أطلق علي سالم البيض رصاصة الرحمة على الحزب الإشتراكي بعد إنتهاء صلاحيته وفاعليته بعد كان شريكاً فاعلاً وأساسياً في السلطة قبل 94 وذلك بعد إلتقاط البيض التوقيت المناسب لقوة وجاهزية الحراك ليستبدل الإشتراكي به ويقيم على أنقاضه ما أسمي بمجلس الثورة السلمية الذي قام على أكتاف الحراك الجنوبي البطل وأصبح قوة فاعلة على الارض تهز أركان السلطة الفاقدة لشرعيتها وتلقي بثوب المعارضة الصورية جانباً لتبني معارضة حقيقية تمثل الشارع والعودة به إلى المربع الأول مما أفقد السلطة التوزان الذي بنته واعتمدت عليه طيلة الفترة الماضية فجعلها تتخبط يمنة ويسرة تبحث لها عن مناصرين آخرين في كل إتجاه وعن مخرج وطوق نجاة في كل مكان .. ولكن دون جدوى لأن المارد الجنوبي قد تحرك وخرج مجدداً من القمقم ولا يمكن إرجاعه هذه المرة إلا بتحقيق كل مطالبه السياسية والحقوقية.



شارك برأيك