للوحدة رب يحميها

عندما تحققت الوحدة اليمنية المباركة عام 1990م وأعقبتها الفترة الانتقالية، بدأت تبرز وبشكل تدريجي أزمة سياسية نجمت عن الصراع على السلطة بين شريكي تحقيق الوحدة الرئيسيين (الحزب الاشتراكي اليمني، وقد كان الحزب الأوحد الذي يحكم الشطر الجنوبي، والرئيس "صالح" الذي كانت قد اكتملت له ولأسرته وقبيلته وحزبه قبل الوحدة بسنوات طويلة السيطرة على كل مفاصل السلطة والحكم في الشطر الشمالي). وقد أسفرت تلك الأزمة عن تداعيات خطيرة تمثلت بالحرب واعلان الانفصال. وهي تداعيات كادت أن تعصف لا بالوحدة التي لم يتجاوز عمرها السنوات الخمس فحسب بل باليمن بأكملها شمالا وجنوبا وشرقا وغربا ووسطا. وأثناء هذا كله وبعده كانت الوحدة شعارا والانفصال اتهاما يرمي به كل طرف من أطراف الصراع على السلطة في وجه الآخر. وكان من يسعى لبسط نفوذه وسيطرته يقول أنه يفعل ذلك دفاعا عن الوحدة حتى ولو كانت المحصلة هي حكم استبدادي لا يؤمن بالتداول السلمي للسلطة، ومن يسعى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من نفوذه وسيطرته ولو بالعودة لما قبل الوحدة، يقول هو الآخر أنه يفعل ذلك دفاعاً عن الوحدة أو تصحيحاً لمسارها حتى ولو كانت المحصلة هي العودة للتشطير والصراع الدائم.
 
***
وكانت حرب 1994م، ولم تحسمها قوة هذا الطرف أو ضعف الآخر. فقد كان لكل منهما كيانه وجيشه ولكل منهما نقاط ضعفه وقوته. وتوقع المحللون أنها حرب طاحنة ستدوم لسنوات وسنوات أين منها الصومال وافغانستان. ولكن الشعب في الشمال والجنوب حسم خياره واختار الوحدة وأسقط الانفصال.
 
وكان للحزب الاشتراكي -برغم أن قيادته ذهبت في صراعها السياسي مع الطرف الآخر إلى حد إعلان الانفصال- كان لهذا الحزب والغالبية العظمى من قياداته وكوادره دور أساسي وحاسم في الانحياز لخيار الوحدة، بل وفي إسقاط خيار الانفصال. ولا عجب في ذلك فقد كان تحقيق الوحدة اليمنية هدفاً من أعلى أهداف الحزب الاشتراكي التي يسعى لتحقيقها.
 
وقد راهن كثيرون على عدم قدرة الحزب الاشتراكي على البقاء والاستمرار طويلا بعد حرب 1994م. إلا أن قيادات وطنية بحجم الأستاذ علي صالح عباد (مقبل) والشهيد جارالله عمر والدكتور ياسين سعيد نعمان، استطاعت الخروج بالاشتراكي من عنق الزجاجة والمحافظة على وحدته وكيانه. وليس هذا فحسب، بل وجعلت منه رقما أساسيا وحاسما في حسابات السلطة والمعارضة.
 
***
وفي لحظة تاريخية مثلت نقلة حضارية نوعية لم تشهدها من قبل بلادنا بل والبلاد العربية والإسلامية جمعاء، التقط مهندس اللقاء المشترك جار الله عمر، الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي، وإخوانه في التجمع اليمني للإصلاح الخيط لينسجوا جميعا اللقاء المشترك، مع أحزاب أخرى أهمها الناصري والحق والقوى الشعبية. ومثل اللقاء المشترك لأول مرة تحدياً حقيقياً للسلطة الممثلة بالرئيس "صالح". وخلال فترة بسيطة صار اللقاء كابوسا مخيفا لنظام الاستبداد والفساد خاصة بعد أن طرح قضية الإصلاح السياسي ووضع حد للاستبداد والفساد المالي والإداري.
 
وكانت فاجعة اغتيال الشهيد جار الله عمر أثناء حضوره المؤتمر العام للإصلاح، وبعد طرحه لبرنامج طموح لتطوير آفاق التعاون بين أعضاء المشترك عموما، والإصلاح والاشتراكي على وجه الخصوص. وقد تصور الذين اغتالوا جار الله أنهم قضوا على المشترك وأشعلوا الحرب بين فرقائه، ولكن حكمة الأطراف فوتت على هذا المخطط الإجرامي تحقيق أهدافه، بل واستطاعت الخروج من المحنة وهي أقوى شكيمة وأشد عزما على مواصلة رسالتها. وكان طليعة ذلك إنجازها لبرنامج الإصلاح السياسي، واستمرار تنسيق المواقف، والاستعصاء على محاولات السلطة المستمرة ومكائدها ودسائسها لتفكيك اللقاء وصولا إلى إعلان المفارقة النهائية مع نظام الاستبداد والفساد ممثلا بالرئيس "صالح" وذلك بإعلان مرشحها للانتخابات الرئاسية الأستاذ فيصل بن شملان يرحمه الله والذي مثلت نزاهته وكفاءته ضربة مؤلمة لحكم يفتقد النزاهة والكفاءة.
 
***
ورغم مضي سنوات طويلة ترسخت فيها الوحدة اليمنية فقد ظلت السلطة التي تصرفت كمنتصر ترفع شعار الحفاظ على الوحدة في وجه فزاعة الانفصاليين في محاولة لجعل شعار الحفاظ على الوحدة تماما كما هو الحال بالنسبة لشعاراتها في الحفاظ على الثورة والجمهورية، بل وحتى الديموقراطية مبررا لتسلطها وديمومتها على الكرسي. وفي سبيل ذلك لم تعدم السلطة بعض الذين دفعتهم مرارة الخروج من السلطة أو مرارة التهميش والاستبعاد الذي تمارسه السلطة القائمة بحق كل من تشك بولائه لها دفعتهم هاتان المراراتان وبتشجيع ودعم من السلطة سواء عرفوا ذلك أم لم يعرفوا إلى تشكيل ظواهر سياسية وإعلامية في الداخل والخارج وتحت لافتة تصحيح مسار الوحدة على أساس العودة وضع الاتفاق بين دولتين أو تحت لافتة المطالبة الصريحة بالانفصال. وكان نظام الاستبداد والفساد هو المستفيد الأكبر من هذه الظواهر رغم محدودية أثرها ووزنها السياسي والاجتماعي، حيث سعى ويسعى من خلالها ومن خلال تضخيمها لأن يثير المخاوف على الوحدة اليمنية وأن يصور نفسه حامي حماها والضمانة الوحيدة لاستمرارها!
 
ولم يكتف نظام الاستبداد والفساد بهذا، بل ظل يسعى على الدوام لشق الحزب الاشتراكي والتجمع اليمني للإصلاح واللقاء المشترك الذي يضمهما من خلال نشر الشائعات والدسائس. وكل ذلك لإضعاف الاشتراكي والإصلاح من ناحية وإضعاف اللقاء المشترك من ناحية أخرى. ثم -وهذا هو الأهم والأخطر- لاختلاق أزمة سياسية، وربما إشعال حرب أخرى إذا اقتضى الأمر بحجة حماية الوحدة والثورة والديمقراطية من الانفصاليين والملكيين والمتطرفين ليتمكن الرئيس "صالح" من تنصيب نفسه رئيسا إلى "الأبد" وتوريث الكرسي لنجله، وكل ذلك مع استمرار مسرحية الديمقراطية ورفع شعار التداول السلمي للسلطة! فهل يعي الرئيس خطورة استمرار اللعب بالنار، وأنه "ما كل مرة تسلم الجرة"؟ وهل يعي الذين ينجرون معه ووراءه أن مشاركتهم في تلك اللعبة لن يحقق لهم غير الدمار؟ هل يعون ذلك قبل فوات الأوان؟! وسواء توفر ذلك الوعي أم لم يتوفر فعلى العقلاء والمخلصين أن يؤمنوا أن للوحدة رب يحميها، وأن يوحدوا جهودهم من أجل أن يرفع نظام الاستبداد والفساد وصايته عن الشعب اليمني...
 
ملحوظة: كتبت هذه المقالة في 10/8/2006م.. وما أشبه الليلة بالبارحة.
المصدر أونلاين.


شارك الخبر


طباعةإرسال




شارك برأيك