بعيداً عن لغة المماحكات وعقلية المكايدات التي طغت خلال السنوات الفائتة يمكن لنا أن نعيد تقييم الموقف الذي أعلنه جزء كبير من الجيش اليمني في 21 مارس 2011.
ولأن ثورة فبراير كان من أهم دوافع انطلاقها استعادة حق اليمنيين في ترتيب العلاقة بين الجيش والشعب وإعادة تعريف وظيفة الجيش الذي استخدمه الحكام العرب طوال العقود الماضية لقمع الشعوب، فإن موقف الجيش في مارس 2011 يجعلنا نقول إنه كان يوماً تاريخياً بامتياز في مسيرة نضال الشعب اليمني من أجل بناء الدولة واستعادة الكرامة التي سلبت من الإنسان اليمني خلال عقود من العبث.. وكان ذلك اليوم هو واحدة من أهم المحطات التي مرت بها ثورة 11 فبراير السلمية, بل وأولى الثمار التي حققتها الثورة.
كانت الأجواء مشبعة برائحة الدم والبارود عقب المجزرة التي ارتكبتها قوات علي عبدالله صالح بحق شباب الثورة في جمعة الكرامة، وكان الثوار وعموم اليمنيين بانتظار ما ستسفر عنه تلك المجزرة من تداعيات وإلى أين ستمضي موجة الثورة العارمة التي كانت تسكن نفوس وعقول اليمنيين وهم يتطلعون للخلاص من حكم العائلة البغيض الذي دمر شخصية اليمني وأعدم اقتصاده وهدد وحدته الوطنية.
صبيحة الحادي والعشرين من مارس والنفوس تطفح غيظاً وحنقاً من الدموية التي عبر عنها صالح من خلال قتل حوالي خمسين شاباً وإصابة المئات في محاولة لإخماد جذوة الثورة، كان اليمنيون على موعد مع صوت دافئ وحميمي لضابط شريف يؤكد فيه أنه لن يوجه بندقيته إلى صدور الشعب، ولن يشارك صالح في سفك دماء شباب الثورة المطالبين بحقهم في التغيير.
كان الجيش الذي بناه صالح على مقاس الولد أحمد متحفزاً لتلقي التوجيهات القاضية بخنق الثورة وعلى استعداد لقتل الآلاف ما داموا يهددون "جملكية" العائلة الصالحية التي تشكلت خلال عقود ثلاثة ماضية واستكملت خلال العقد الأخير إحكام قبضتها على كل مؤسسات الدولة الأكثر أهمية عبر تعيين أفراد العائلة ومن يواليهم من لوبياتهم الخاصة.
في هذه اللحظة أطل الجنرال علي محسن الأحمر قائد المنطقة الشمالية الغربية قائد الفرقة الأولى مدرع من على شاشة قناة الجزيرة، وهو الذي لم يعتد اليمنيون على رؤيته على الشاشات، يعلن بصوت أبوي متهدج "نعلن دعمنا وتأييدنا السلمي لثورة الشباب"، لا يزال كثير من اليمنيين وأنا واحد منهم يستشعر تلك اللحظة بمشاعر مختلطة من الفرح والإرتباك والتوجس مما سيترتب عليه هذا الموقف.
ذلك التصريح المقتضب كان يعبر عن صوت ثلث الجيش اليمني ونصف مراكز النفوذ، وفاتحة لقائمة طويلة من إعلانات التأييد للثورة الشبابية التي غدت بعدها شعبية واحتفظت بسلميتها رغم محاولات حثيثة من صالح لجرها إلى مربع العنف.
كان إعلان اللواء علي محسن الأحمر لهذا الموقف قاصمة لظهر صالح فهو الرجل الذي اعتمد عليه في محطات هامة من تاريخ حكمه، وشكل له داعماً ومسانداً قوياً في السلم والحرب، وأتذكر أننا يومها في موقع المصدر أونلاين لم يتمكن الطاقم من ملاحقة أخبار إعلانات الإنضمام للثورة من شخصيات مدنية وعسكرية على امتداد اليمن.
حينها كان هذا الموقف، من اللواء الأحمر، محموداً من الجميع وعم الإحتفال كل الأطياف المشاركة في ساحات الثورة في الجمهورية، وكان ذلك أمراً طبيعياً بعد أن أثبت صالح ومن خلال تكليف عصاباته بقتل عشرات الشباب السلميين في ساعة واحدة وأمام مرأى العالم كله، ومنذ ذلك الحين شعر شباب الثورة في ساحة التغيير أنهم قد باتوا في حماية جزء من الجيش اليمني الذي أعلن انحيازه للشعب.
منذ ذلك اليوم فقط بدأ صالح يفكر جدياً في مغادرة السلطة وتيقن حينها أنه لا مجال لاستمراره بعد أن شعر بأن بناء حكمه انشق وأصبح آيلاً للسقوط، لتأتي بعدها سلسلة لقاءات ومبادرات كلها تبحث في كيف يخرج من القصر، وهذا لا يعني التقليل من قوة الفعل الذي أحدثته ثورة فبراير، بل إنه حتى موقف الجيش الذي أعلن مساندته للثورة إنما هو نتيجة لقوة هذه الثورة التي جعلت الجميع يفكرون في اتخاذ مواقف تتناسب مع المرحلة المقبلة.
ما دفعني للكتابة في ذكرى تأييد الجيش للثورة هو حالة النكران والجحود التي واجه بها قطاع واسع من النخب اليمنية "الجيش المؤيد لثورة فبراير" وقائده، بما فيها النخب التي رحبت بموقفه حينها واعتبرته انتصاراً للثورة.. وأعتقد أن حالة المناكفات والمماحكات التي تلت ثورة الشباب وغذتها أطراف أرادت إعادة توصيف الأحداث بغرض التهيئة للثورة المضادة.
عاد صالح إلى وضعه الطبيعي عكفياً في موكب الإمامة بينما ظل الجيش المؤيد للثورة بضباطه وقادته وفياً للجمهورية وللدولة وانحاز لخيار الدفاع عنها وإن كان الموقف الرسمي المتخاذل قبل وأثناء إجتياح صنعاء قد انتقص من موقف هذا القطاع الواسع من الجيش، لكن إجمالاً يمكن التأكيد على أن الجيش الذي أعلن تأييده للثورة في فبراير ٢٠١١ هو ذاته يخوض اليوم معركته التاريخية لاستعادة الدولة ويمكن قراءة ذلك من أسماء الضباط الأبطال الذين يقودون الوحدات العسكرية في كل الجبهات، بينما الذين وجهوا رصاصاتهم حينها إلى صدور ورؤوس شباب الثورة هم اليوم لا يزالون يمارسون القتل بحق اليمنيين سواءاً يحملون رايات المشروع الإمامي ويقاتلون ضمن التحالف الجهوي السلالي المذهبي ضد اليمنيين الذين يرفضون هيمنتهم.
ومع كل النقاط التفصيلية التي يمكن أن نختلف فيها مع الفريق علي محسن الأحمر وغيره من قيادة الجيش إلا أن هذا الموقف سيظل نقطة مضيئة في تاريخ الجيش اليمني الذي وفى بعهده ورفض أن يوجه نيرانه باتجاه الشعب، وهو اليوم يواصل مهمته في حماية الدولة وحماية الشرعية ومواجهة كل المشاريع الظلامية التمزيقية.
تحية بحجم الوطن للجيش الذي سهر ليحمي حلم اليمنيين ولا يزال يسكب دمه ليحيا الحلم.



شارك برأيك