مشروع حرب داخلية يجري تسويقها خارجياً

ليس أمام اليمن خيارات كثيرة لتنجو، إما حلولاً جذرية للمشاكل أو الذهاب إلى حرب داخلية ليس لها آخر. هذه مقولة للسياسي اليمني المعروف ورئيس مؤتمر الحوار الوطني الأستاذ محمد سالم باسندوه، الرجل الذي صقلته التجارب وأنضجته الحياة واختار الانحياز إلى خيار الشعب. وعلى ما يبدو فإن السلطة الحاكمة في اليمن قررت الأخذ بالخيار الثاني لتنجو من مشاكلها الكثيرة، وربما اعتقدت أن هذا الخيار هو أسلم الطرق وأقصرها للهروب من مواجهة المشاكل المتراكمة والمعقدة التي تحيط بها من كل جانب، بالرغم من أن مستشارها السياسي حذر من وقوع مجاعة وشيكة وكارثة إنسانية في البلد في غضون عام واحد فقط!! وفي وقت سابق كان وزير التخطيط والتعاون الدولي اليمني يحذر هو الآخر من مخاطر انزلاق اليمن نحو الصوملة ما لم يسارع العالم لنجدته، وألمح بأن مخزون اليمن البشري الذي يفوق بأضعاف كثيرة ما لدى الصومال يمنحه فرصة زعزعة الأمن والاستقرار في هذا الجزء المهم من العالم، وهو ما سيعكس نفسه سلباً على الأوضاع الأمنية، ليس في اليمن وحسب، بل وفي محيطها الإقليمي، الأمر الذي قد يجعل من اليمن تهديداً عالمياً على المدى القريب يستدعي سرعة معالجته عبر ضخ المزيد من الأموال قبل ألاّ تكون هناك أموال أو مصالح لأحد يمكن تداركها، وقد تنبهت السلطات اليمنية مؤخراً إلى فكرة المجاعة باعتبارها الوجه الآخر للصوملة، فأطلقت تحذيرها للعالم، معلنة بذلك تدشين مشروعها القادم، مشروع الصوملة الذي عادة ما يجري اختباره وتسخينه في شمال الشمال.

 

* تحول مركز الصراع
العملية الإرهابية الأخيرة المتمثلة بالاختطاف والقتل الشنيع لمجموعة من الأجانب العاملين في بعض مشافي صعدة، والذين يقدمون خدماتهم الطبية بدعم من الهيئة العالمية للخدمات الطبية التي تعمل في المحافظة منذ 35 عاماً، هذه العملية خطفت الأضواء من القضية الجنوبية وسحبت البساط من تحت أقدام الفعاليات الاحتجاجية في الجنوب باتجاه الشمال، وحولت اهتمام الرأي العام المحلي والخارجي بعيداً عما يجري في الجنوب، وعملت على تغيير مركز الصراع من الجنوب المتأزم المسكون بهاجس الانفصال ومخاطر المشاريع التشطيرية، صوب أقصى الشمال حيث تتفجر الأوضاع عادة على نحو مدروس، فيما يجري السيطرة عليها في الوقت المناسب.

والحقيقة أن ثمة مخاوف متزايدة من احتمال تفجر الأوضاع جنوباً وخروجها عن السيطرة، وتكمن خطورة ذلك في أن الصراع جنوباً – في حال نشوبه- سيكتسي ثوباً مناطقياً، وسيتلفع بمطالب انفصالية، وهو ما يعني تهديداًَ مباشراً لوحدة البلد ومستقبل النظام السياسي، ولذا فقد أوكلت السلطات مهمة مقارعة الحراك ومناوشته للهيئات الشعبية التي شكلتها مؤخراًً في المحافظات الجنوبية وبعض المحافظات الشمالية تحت مسمى " الهيئة الشعبية الوطنية للدفاع عن الوحدة "، الأمر الذي يوحي بأن الصراع في الجنوب سيتحول إلى صراع شعبي لا شأن للدولة به، أو هكذا يراد تصويره، فالسلطة تخشى أن يُفسر تدخل الجيش لقمع الاحتجاجات في الجنوب بمثابة حرب شمالية جنوبية، وهو ما سيغذي النزعة الانفصالية لدى الجنوبيين بصورة متزايدة، لكن في صعدة تستطيع السلطة أن تدير معركتها بأمان، إذ بمقدورها تعبئة الرأي العام وحشده وراءها، بالإضافة إلى مقدرتها على تحييد الموقف الخارجي إن لم يكن دفعه إلى مربع الدعم والمساندة بالنظر إلى أن السلطة أضحت تؤدي مهمة مكافحة خطر العدو المشترك.


في صعدة فقط تستطيع السلطة محاربة أعدائها مجتمعين، إنها مكان استثنائي يصلح لتصفية حساباتها معهم جميعاً في وقت واحد وفي مكان واحد، إذ بفعل الدعاية المركزة تحولت صعدة إلى منطقة عمل مشترك للحوثيين والقاعدة معاُ! فقد تناقلت بعض الصحف المحلية أنباء- نسبتها لبعض القنوات الخارجية- بأن المنطقة التي تمت فيها عملية الاختطاف واقعة تحت سيطرة مشتركة بين جماعة الحوثي وتنظيم القاعدة الذي يعقد تحالفاً استراتيجياً مع الأخير كما ادعت تلك المصادر!! وهنا لا يهم التعريض بالسلطة والسخرية منها بل والإساءة إليها والتهوين من شأنها والتقليل من قدرها وعدم الاعتراف بوجودها كدولة، وهز صورتها لدى المواطن بالقول إن ثمة مناطق وأجزاء من الوطن واقعة تحت سيطرة مشتركة من الحوثي والقاعدة! هذا لا يهم في اللحظة، فالدولة لا تبحث في تلك المناطق عما يُحسن صورتها أو يعيد لها شيئاً من الاحترام المسلوب، فهي تعرف حقيقة وضعها هناك ومدى الإهمال الذي تركته خلفها وتسبب بكل تلك الفوضى، لكنها تريد استثمار ذلك الإهمال وتلك الفوضى بما يخدم الأهداف المتوخاة، ويعزز من قناعة الناس في الداخل والخارج بأن ثمة تحالف قائم اليوم بين القاعدة والتمرد، مثلما جرى من قبل تعزيز قناعة الناس بتحالف مشابه بين القاعدة والحراك الجنوبي عبر ذلك البيان الصادر عن التنظيم، والذي أيد فيه المطالب الانفصالية لقادة الحراك!! وكما جرى أيضاً من سابق تعزيز القناعة ذاتها بذلك التحالف الشيعي القاعدي الذي أكده عميل أجهزة الاستخبارات محمد العوفي الذي شغل لفترة وجيزة منصب القائد الميداني لتنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب والذي يتزعمه اليمني ناصر الوحيشي.


وعلى هذا الأساس فالرسالة المطلوب قراءتها تحاول إقناعنا بأن ثمة تحالف شيطاني نشأ بين ألد أعداء النظام وهم الحوثيون، والقاعدة والحراك الجنوبي، هؤلاء هم حلفاء الداخل في مواجهة النظام، وقد صار بوسعهم التحرك بحرية أكثر في مناطق خاضعة لسيطرة مشتركة في صعدة التي غدت حكراً على جماعة التمرد وحلفائها من إرهابيي القاعدة! أما امتدادهم الخارجي فإيران وقطر وشيعة السعودية بحسب تلك المصادر الصحفية(المحلية) التي تروج لمثل هذا الإسفاف الذي بلغ ذروته في عنوان رئيسي نشرته إحدى تلك الصحف يقول: بدعم إيراني- قطري رافضة السعودية وصعدة يسلحون حراك الضالع ولحج! وبعبارة أخرى فقد تحالف الحوثيون مع شيعة السعودية وشيعة إيران ودولة قطر وتنظيم قاعدة اليمن والحراك السلمي في المحافظات الجنوبية ليقفوا صفاً واحداً في مواجهة النظام!... يالها من مؤامرة خبيثة!!..وإذا أضفنا إلى كل أولئك المتآمرين أحزاب اللقاء المشترك الذين تتهمهم السلطات صباح مساء بالوقوف تارة وراء الحراك وتارة أخرى بدعم الحوثيين فإن حلقة التآمر تكون بذلك قد اكتملت.


* الحرب كملاذ آمن
إن حرباً جديدة قد تنشب في صعدة سيكون من فوائدها أن تضع كل أعداء النظام وخصومه السياسيين في سلة واحدة ليسهل بالتالي تحريض الرأي العام (المحلي والدولي) ضدهم جميعاً، وبالتالي حصول النظام على ما يشبه التفويض العام باتخاذ ما يراه مناسباً من إجراءات بحقهم باعتبارهم صاروا يمثلون خطراً ماثلاً على أمن البلاد واستقرارها وحتى على سمعتها أيضاً، هذا إلى جانب أن الحرب ستشكل بوابة عبور لاستجلاب الدعم الخارجي متعدد الأغراض، فالصوملة والإرهاب والتمرد وأخيراً المجاعة باتت عناوين صارخة تستحث الخارج لتقديم المزيد من الدعم والمساندة قبل أن يغرق النظام في بحر أزماته، وهذا يقتضي بدوره أن تبادر بعض القوى الإقليمية- كجزء من مشروع الدعم والمساندة- لرفع يدها عن المحافظات الجنوبية، وكبح معارضة الخارج لتجد السلطة بعض الوقت تتفرغ فيه لمجابهة بقية الأخطار الأخرى، ونتيجة لكثرة المهام وانشغال السلطة بمقارعة الأخطار والخصوم فستكون في حل من التزاماتها للمانحين والهيئات الدولية بتنفيذ ما تعهدت به من إصلاحات سياسية وانتخابية، لكنها في المقابل ستجدها فرصة مواتية لاستكمال تنفيذ ما تسميه بـ " مصفوفة الإصلاحات الاقتصادية" والتي هي عبارة عن جرعات سعريه لا اقل ولا أكثر، ستبدأ برفع الدعم عن المشتقات النفطية، وربما يتبعها تقليص الكادر الوظيفي للدولة إلى النصف أو الثلث بحسب توصيات المانحين والبنك الدولي، وبالطبع فإن ذلك سيتأجل لحين الانتهاء من مشروع الحرب السادسة التي يجري تسويقها على عجل تحت لافتات متعددة، قبل أن يكتشف الأصدقاء أنهم تورطوا في إغراق البلاد في مزيد من الأزمات.
 



شارك الخبر


طباعةإرسال




شارك برأيك