جانب من مستقبل الإخوان والسلفيين

ما بعد الثورات العربية وقفت الجماعات الإسلامية أمام ضغط المرحلة، فلم تكن تتوقع أن الثورات العربية ستأتي بهذه السرعة وإن كانت جماعات الإخوان المسلمين الأكثر تحسبا لها، غير أن التيار السلفي في الوطن العربي لم يكن متحسبا لها، وهو ما جعل هذا الظرف المستثنى من تفكير الجماعات الاسلامية يخلق إرباكاَ على مسارها الحركي، والفكري.

 

فجماعة الإخوان المسلمين أصبحت تتخفف من أدبيات كانت شديدة على الحاكم بلكنتها الدينية منذ أن تأسست الجماعة في عشرينيات القرن الماضي، لأن ممارسة المعارضة أو "المدافعة" بالمصلح الإسلامي، أصبحت لغيرهم ما دام وأن الجماعة باتت ضلع أساسي في السلطة في كلا من تونس واليمن وليبيا، ونظام حاكم كما في مصر.

 

هذا النوع من التحول بدا أكثر وضوحا حين ظهرت الجماعة -بشكل علني- ممثلا بالاعتراف والقبول بالآخر- غير المسلمين- في الحزب كما في مصر، ومشاركة أطروحات التيار العلماني كما في تونس، وبما أن الإخوان هم الآن في السلطة سيفرض عليها النظام الدولي برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية جزء من تبعات الصعود للسلطة، وهو الاعتراف بمواثيق الأمم المتحدة وقضية المتعلقة بدولة فلسطين ممثلة باتفاقيات كامب ديفد، واتفاقيات سايكس بيكوا في تقسيم الوطن العربي، وهذا الذي لم تعترف به أدبيات الإخوان منذ تأسيسها من قبل الشيخ حسن البناء، لأن الحركة قامت لاستعادة الخلافة الإسلامية بعد أن سقطت في 1924م لا إقامة دولة مدنية.

 

التحول الذي طرأ على جماعة الإخوان بعد الثورات، سينتج جيلا جديد في الأيام القادمة، فليس الذي وضع أدبيات الجماعة أصبح هو من يقود اليوم في أغلب الدول العربية بما فيها اليمن، فالمنطق السياسي أصبح حاضرا أكبر من المنطق الدعوي، وتحولت من السعي لإقامة خلافة إسلامية إلى إنشاء دولة مدنية، فالقادم في صلب الجماعة سيتنكر -بصورة أو بأخرى- لتلك الكتب التي وضعها مؤسس الحركة حسن البناء ومنظرها الفكري سيد قطب، وسيكون أكثر انفتاحا مادام وقد قبلت هي بالآخر، وقبلت الولايات المتحدة الأمريكية بالتعاطي معها كحركة سياسية في الوطن العربي، لاسيما التنسيق مع فئة الشباب كما جاء في التقرير الأخير الصادر عن مؤسسة راند الأمريكية في نوفمبر2012م.

 

وأما التيار السلفي بسبب تعدد الوجهات فيه، بات من الصعب التكلم عن مستقبل هذا التيار، إلا بحدود تلك الفئات التي قدمت مشروعها الحركي الجديد في العمل السياسي حزب النور في مصر والرشاد في اليمن، وأما في تونس فلا زال التيار السلفي في منأى عن العمل السياسي بحكم طابعه -بنظر الحكومة التي تحكم بالنظام العلماني - بالمتشدد، وإذا ما اقتصر مستقبل التيار السلفي على المشاركين في العمل الحزبي السياسي، فإن سياسية هذا التيار سيعمل سياسيا على توازن قوى مع التيار الشيعي، وهو ما يبرز أكثر وضوحا في اليمن فالذي دفع جزء من التيار السلفي على الظهور سياسيا هو تحجيم تنامي  التيار الشيعي سياسياَ من منطلق "مزاحمة الباطل".

 

ولاشك أن التيار السلفي لن يستطيع أن يقدم في الأيام القادمة مشروعا إسلاميا كما ظهرت في أدبياتهم وهي (تحكيم شرع الله) بتوصيفها الدقيق في الدول العربية لاسيما اليمن، لسبب رئيسي، وهو أن السلفيين حين نشأت  دعوتهم السلفية كحركة في المملكة العربية السعودية ممثلة بالشيخ محمد بن عبد الوهاب كان جناح للحاكم، وانتشرت دعوة محمد عبد الوهاب في بقية الدول الإسلامية والعربية، ولم تستطيع الدعوة السلفية الفكاك من مركزيتها المنهجية والدعوية في المملكة حتى اللحظة، وتتبنى المملكة ذلك التوسع الدعوي حتى جاءت الثورات العربية، حينها وقف التيار السلفي الذي يعزو للعمل السياسي مقيدا بتلك المركزية والمرتبطة بمراكز الدعم الخيري في المملكة من مؤسسات تتبنى الجانب الدعوي ولا ترى العمل السياسي، وهو ما دفع دولة قطر للواجهة وتبني مشروع التيار الاسلامي المشارك في العملية السياسية، غير أن التيار السلفي المشارك في العمل السياسي في الوطن العربي سيضل مقيد الحركة ما دام وأن مصدر الدعم المادي هو المسيطر على مشروعه الإسلامي السياسي، فلن تستحدث ما وضعوه من أدبيات إسلامية في بلدانهم ما دام وأن سلطة مال تلك الدول تفرض عليهم ما يتنافى كليا أو جزئيا عن مشروعهم السياسي الإسلامي.

 

إذن بشكل عام، سيظل المشروع الإسلامي المشارك في العمل السياسي في الوطن العربي هو الأبرز في المرحلة القادمة لاسيما في البلدان التي طالتها الثورات وسيكون بفعل ضغط المجتمع الدولي لغة هذا المشروع معتدلة بالمحددات التي وضعها تقرير مؤسسة راند في 2007م، وسيتجه نحو التنمية ورفع مستوى الأوطان  في الجانب الاقتصادي وهذا ما تتجه إلية إدارة الإخوان في مصر، ذلك أن المجتمعات أصبحت تبحث عن (مأوى معيشي وأمن) أكثر منه حرية، وهو مطلب البشرية على غرار قول الله تعالى "الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف".  


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك