مخرجة «ليس للكرامة جدران» سارة إسحاق: شعرت أن أحداث جمعة الكرامة تمسني شخصياً

مخرجة «ليس للكرامة جدران» سارة إسحاق: شعرت أن أحداث جمعة الكرامة تمسني شخصياً

شابة لم يمنعها العيش بعيداً، من منح إبداعها لليمن وحريته، لم تُغفل الكثير مما حدث من انتهاك أثناء الثورة، فجعلت الإنسانيةِ موضوعاً رئيساً لأعمالها. وثقت ذلك ونقلته للعالم بمستوى عالٍ من الاحترافية عبر فيلم ليس للكرامة جدران.

 

المخرجة «سارة إسحاق» يمنية –اسكتلندية-، ترشح فيلمها الأول ضمن القائمة المختصرة للأفلام الوثائقية القصيرة للأوسكار في دورته الـ86، وحصد عدة جوائز في مهرجان الجزيرة ومهرجان الفيلم العربي وجوائز أخرى، وأخرجت أيضاً فيلم «بيت التوت» الذي يحكي التغير الذي حصل في اليمن مع الثورة الشعبية، وشارك هذا الفيلم في خمسة مهرجانات منها مهرجان دبي العالمي.

 

وهي حاصلة على بكالوريوس علوم اجتماعية سياسية وحقوق انسان، ماجستير في إخراج الأفلام. «المصدر أونلاين» التقى سارة إسحاق ليناقشها حول الفيلم منذ بدايته كفكرة حتى وصوله إلى مسابقة الأوسكار وعن رأيها بحال السينما في اليمن.. وفيما يلي نص الحوار:

 

حوار: ثناء القاعي

 

ولادة ليس للكرامة جدران

بداية فكرة توثيق أحداث جمعة الكرامة وعرضها من خلال الفيلم كانت لمن؟

بعد وقوع المجزرة في يوم 18 مارس قلت لنفسي: "طالما عندي كاميرا، لازم أعمل شيء عن هذا اليوم حتى ولو شيء للأخبار"، لأنني شعرت أن ما حدث في هذا اليوم شيء شخصي.

 

بدأت أفكر بالموضوع. ولأنني أشتغل مع البي بي سي، ذهبت وقابلت بعض الشخصيات الذين اصبحوا جزء من الفيلم، قابلت والد أنور "عبد الواحد الماعطي"، سمعت قصته وتفاجأت من الأشياء التي يرويها عن الموقف وتجربته، وتواصلت معه فيما بعد وقلت له " أنا ناوية أعمل فيلم عن جمعة الكرامة هل ممكن نصور معك للفيلم؟" فقال لي لا مشكلة.

 

الأهم من الفوز بالأوسكار تخليد ذكرى الضحايا والشهداء

خلال الأيام التي تلت جمعة الكرامة تعرفت على عبدالرحمن حسين الذي أصبح مساعد الإخراج في الفيلم، فكانت لدينا نفس الأفكار فأبدى استعداده وأخبرني عن أمين الغابري وأنه كان موجودا في ساحة التغيير وكان لديهم مادة مصورة للأحداث وأنا لدي الشخصيات، فقلت لهم تعالوا نتكاتف ونعمل مع بعض.

 

حدثينا عن بداية عملكم أنتم الثلاثة في الفيلم؟

بداية قررنا أن نعيد تصوير بعض المشاهد في الميدان حتى نحاول أن نصف الجو داخل الساحة بداية الثورة قبل أن نتحدث في تفاصيل أحداث جمعة الكرامة، طبعاً كانت فكرتنا أن الفيلم سيكون شيئاً بسيطاً سننشره في اليوتيوب لكي يشاهد الناس ما حصل فقط .

 

بعد فترة 10 أيام تصوير. جلسنا نستعرض المادة التي معانا فقلت لهم: " أنا برأيي أن هذا الفيلم احتمال يكون أكبر مما توقعنا"، يعني ممكن أن نعمل منه فيلم للجزيرة أو البي بي سي، للقنوات يعني.

 

اشتغلنا عليه أنا وعبد الرحمن حسين، حاولنا نمنتج المادة لكن للأسف ليس لدينا المعدات اللازمة لعمل مونتاج محترف، فقررت الرجوع لبريطانيا ومواصلة العمل على الفيلم من خلال المادة التي لدي، من خلال الجامعة التي كنت أدرس فيها عرفوني على ناس في قناة الجزيرة كلمتهم فقالوا لي: إن هذا الفيلم مش مناسب لنا، من الممكن أن نأخذ المادة ونعمل فيلم نمطي بطريقة الجزيرة.

 

وقتها اخترت أن أخرج الفيلم بطريقتي الخاصة، لأني لست مقتنعة بطريقتهم وأريد أن أصل لأكبر جمهور من خلال فيلم انساني، ولا أريده أن يكون فيلم سياسي بحت.

 

هل شكل امتناع الجزيرة عن عرض الفيلم شيء من الإحباط؟

لا على العكس، تواصلت على الفور مع الاستاذ أسعد طه منتج في دبي لشركة اسمها (نقطة ساخنة) حينها كان يعمل في تغطية الثورة المصرية، فقلت له لو أنت مهتم أنا عندي موضوع فيلم يمني إذا ممكن تساعدنا فيه؟ فدعانا إلى دبي.

 

ذهبت إلى دبي ومنتجت النسخة الطويلة للفيلم، وفي بريطانيا منتجت النسخة الموجودة الآن النسخة القصيرة للفيلم التي دخلت للمهرجان وفازت بعدة جوائز وتم بثها في التلفزيون، فأخذ مني الفيلم 11 شهرا لآخر يوم مونتاج.

 

- قلت أنكِ قمت بتعديل الفيلم من 46 دقيقة إلى 26 دقيقة.. ما سبب هذا التعديل؟؟

عرضت الفيلم بنسخته الطويلة على ناس في بريطانيا. وحين شاهدوا الفيلم رأيت أن ردة فعلهم كانت سلبية جداً، قالوا:" احنا للأسف حاولنا نتعاطف، وبصراحة من كثر العنف اللي شفناها فصلنا ماقدرنا نتابع !"

 

الإلحاح والرسالة التي أردنا نقلها أوصلت الفيلم للمنافسة على جائزة الأوسكار

فقلت الحل أني انقص كمية العنف والمشاهد المكررة إلى 26 دقيقة مع ترك مساحة للتجربة الإنسانية التي هي تجربة الآباء. بعدها عرضته على الجمهور فجأة رأيت الجمهور يبكي!، كانوا تقريباً 50 شخصا.

 

_ كيف يرى المخرج كل هذا الدم، وذاك القتل، ويظل بالقدرة نفسها التي بدأ فيها عمل الفيلم؟

كانت تمر علينا أيام نشعر فيها باكتئاب وإحباط شديدين ونتوقع أننا بشغلنا اللي اشتغلناه لن نصل إلى أي نتيجة! لكننا نعود ونحس بتأنيب ضمير شديد جداً.

 

_ مر الفيلم بمراحل صعبة كثيرة حتى خرج لنا بهذه الصورة، برأيك ماهي المقومات التي جعلت الفيلم ينافس على الأوسكار؟

أنا وزعت الفيلم على 30 أو 35 مهرجان حول العالم، وأرسلت لهم DVD وقبلوا الفيلم وأخذوا الفيلم وعرضوه وبعد ماعرضوه فاز بجوائز، فاز بـ 5 أو 6 جوائز، من خلال واحد من المهرجانات اللي هو مهرجان آربرا عرضوه وحاز على جائزة أفضل فيلم وثائقي قصير، ومن خلال هذا المهرجان تأهل للأوسكار. الإلحاح والرسالة التي كنت أريدها أن تصل هي من جعلت الفيلم يصل لهذا المستوى.

 

_ و مالذي جعله لا يفوز بهذه الجائزة؟

أسباب كثيرة..من أهمها أن الفيلم الذي فاز أقوى من فيلمنا، عن امرأة عجوز كان عمرها 180، وتوفت قبل حفلة الأوسكار بأسبوع. حياتها كانت تعيسة جداً، لكن مع ذلك كانت متفائلة وكانت تعزف البيانو، كان الفيلم فيه موسيقى وأشياء أخرى جعلت في الفيلم مقومات الفوز.

 

بالنسبة لنا لم يهمنا الفوز كثيرا، أهم شيء التغطية اللي حصلت للفيلم وأننا وصلنا لهذه المرحلة والعالم كله سمع بالقضية وبالفيلم، وأننا خلدنا ذكرى الضحايا والشهداء.

 

_كيف لمستِ تفاعل الشعب اليمني مع ترشحكم للأوسكار؟

التشجيع من الشعب اليمني كان كبير جداً، لكن اعتقد أن التشجيع جاء يوم حفل الأوسكار وفيما بعد، أما قبل لم يكونوا مدركين معنى وصولنا للأوسكار.. وما معنى أن أول فيلم يمني يترشح للأوسكار.

 

على المخرجين التحرك للضغط على الحكومة لفتح معاهد تُدرس الإخراج والسينما

_ وبخصوص التفاعل الإعلامي كيف وجدتيه؟

التفاعل الإعلامي لا بأس به، لدرجة أنني تواصلت مباشرة مع ناس في الإعلام اليمني، صحفيين وغيرهم، وقلت لهم "ممكن تحاولوا تهزوا الشعب اليمني شويه!.

 

اليمن.. والسينما

_كيف تنظرين لواقع الإنتاج الفني في اليمن قبل الثورة وبعدها؟

لاحظنا أن الناس أيام الثورة اعتمدوا على أنفسهم في نقل الحقائق والوقائع، وكمية الناس المصورين اللي ظهروا وقت الثورة كبيرة جداً، وكمية الناس الذين يمنتجوا فيديوهاتهم وينزلوها على اليوتيوب كانت أيضاً كبيرة.

 

 هناك كثير من الأمور تغيرت وخاصة من الناحية الفنية، كان هناك من يقوم على المنصة ويعزف، كانت الثورة بمثابة المساحة التي جعلت الناس تعبرعن أفكارها ومشاعرها عن طريق الفن.

 

_هل ترين أنه سيكون هناك تقبل لو أُفتتح دور للسينما في هذه الفترة؟

في البداية ستكون هناك معارضة كبيرة جداً.. وتحديداً هذي الأيام الناس أصبحت تعارض للمعارضة فقط، للأسف الناس في اليمن لا يفكروا بالصورة الكبيرة بخصوص السينما، كل الذي يفكروا فيه أن هذا الامر به شبهة ووو.... لكني الآن أعتقد أن بعد سنة أو سنتين ستتوفر دور سينما في اليمن.

 

_ كيف تنظرين لوضع المخرج اليمني على وجه الخصوص؟

الإخراج في أي بلاد مهنة صعبة جداً، يحتاج صبرا كثيرا، وأيضاُ على المخرج أن تكون عنده روح سلسة ويعرف يعمل لساعات طويلة بمال قليل وبدون تشجيع، في اليمن عندنا بيئة لا تشجع. فوضع المخرج اليمني سيء بأضعاف أضعاف المخرج السينمائي في أي بلاد ثانية.

 

_هل تنوين نقل خبرتك في الإخراج لشبان في اليمن؟

هذا من الشيء الواجب علينا كسينمائيين ومخرجين أن نركز عليه، من الضروري أن نتحرك ونضغط على الحكومة ونفتح معاهد، الآن الرغبة موجودة والأمور تغيرت، نحن نبدأ خطوة بخطوة بدورات وورش عمل إلى أن يكون هناك معاهد وأكاديميات وحاجات أكبر في اليمن في الفترة القادمة إن شاء الله.

 

كلمة أخيرة لكِ توجهينها للشباب اليمني المهتم في الإخراج.

أقول للشباب المهتمين بالتصوير والإخراج، صحيح أن الإنسان يمر بالإحباط وخاصة في اليمن؛ لأنه لا تتوفر فيها الإمكانيات ولا التشجيع، لكن إن توفرت عنده العزيمة وعنده الشغف أنه يشتغل ويعمل شيء ممكن من المتوفر يدبر نفسه.

 

 نحن كان الحافز لنا الشهداء اللي ضحوا بحياتهم لأجل أن يوصلوا رسالة، وهذا الحافز هو الذي وصلنا لهذه المرحلة، لأنه ما كان عندنا دعم ولا كان عندنا شيء. فبرغم من ذلك حاولنا بقدر الإمكان أن نكمل الشغل.

 


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك