رقصة حرب تسبق التنازل

المواجهة المفترضة بين واشنطن وطهران تملي تخيلا دراماتيكيا لمشهد الشرق الأوسط، ذاك أن العاصمتين تتقاسمان النفوذ في معظم دول المنطقة. العراق مثلا، سواء كان مسرحا لهذه المواجهة أم لم يكن، سيمر بأيام "فصامية" تتنازعه خلالها رغبته في الابتعاد عن الصدام، وحقيقة استحالة ابتعاده.

لبنان بدوره، وفي ظل النفوذ الإيراني الأحادي، سيجد نفسه أمام نفسه، وقد حانت ساعة الاستثمار. سيكون لحزب الله، الأداة الإقليمية الأبرز لطهران، موقعه في هذه المواجهة. الأمن والاقتصاد والحدود، جميعها لن تكون بمنأى عن مشهد الحرب في حال وقوعها!

وإذا كانت الحرب العتيدة مشهدا متكررا في سوريا، فإنها في الخليج قادم جديد سيبدل كل معادلاته. الخليج الهش، هو أيضا ركن في الاقتصاد العالمي، وتعطيل خطوط توزيع النفط والتعرض لناقلاته سيكون له ارتدادات على اقتصاد العالم كله، ناهيك عن ضعف البنى السياسية والاجتماعية لممالكه وإماراته.

تركيا القريبة من إيران هذه الأيام لن تجد لنفسها مكانا واضحا في خريطة الحرب، وإسرائيل المتحمسة للمواجهة، ستمثل الحرب مع طهران مغامرة باستقرار للحدود كانت دفعت لقاءه أثمانا. أما عمان المتخبطة بتبعات "صفقة القرن" فستدفن رأسها بالرمال مجددا، ولن تقوى على مقاومة الرغبة الأميركية بمزيد من القواعد الجوية في صحرائها.

لهذه الأسباب يشعر المرء أن ثمة ظروفا غير ناضجة لاشتعال الحرب. هذا الاستنتاج تضعفه حقيقة أن هذه الإدارة الأميركية تحديدا لا تصح معها معادلات الواقع واحتمالاته. كما يضعف منه حال الاحتقان الشديد الذي يعيشه النظام في إيران، مع ما يمكن أن يتولد منه، لجهة سوء التقدير والحساب.

المواجهة المفترضة ستطيح بمشهد أرسته حروب وتوازنات وتحالفات ومصالح تم بناؤها على مدى عقود. المغامرة بكل هذا التراكم ليست مهمة سهلة.

لكن على المرء أيضا أن لا يستبعد أن طرفا هذه الاحتقان يجريان حسابات وفق هذه الحقيقة، واحتمالات فقدانهما دفة إدارتها أمر وارد أيضا. أن تذهب طهران في مناوراتها بعيدا، مراهنة على أن واشنطن لن تطيح بهذا الستاتيكو، وأن تشعر واشنطن بأن أي تنازل من طهران هو بداية انهيار عليها أن تتابع فيه، هذان الاحتمالان سيفضيان إلى وقوع الحرب. يعزز منهما غياب الوسطاء حتى الآن. أوروبا يبدو أنها أضعف من أن يكون لها تأثير في مجريات الاحتقان، وروسيا وتركيا تبدوان أقرب إلى إيران، ذاك أن الصدام سيعني أيضا سقوط مثلث النفوذ الإقليمي الذي بنته كل من أنقرة وموسكو وطهران على بحار الدماء ليس في سوريا وحسب، إنما أيضا في العراق.

لن يكون الرقص على ضفاف الحرب مجديا هذه المرة. احتمالات السقوط في هاويتها كبيرة. والقول إن أكلاف إشتعال الحرب كبيرة وأن دولا وأنظمة واقتصادات ستجد نفسها أمام حرائق كبرى، أين منها حرائق آبار نفط الكويت في العام 1991، لا يبدو أنه كافيا لاستبعاد احتمالاتها.

لكن ثمة شيء غير مفسر يدفع المرء إلى الشعور بأن شيئا سيحصل يفضي إلى تسوية. علينا مثلا أن نستعيد حقيقة أن النظام الإيراني لم يخض حربا ولم يندفع إلى حرب منذ قيامه. الحرب العراقية ـ الإيرانية فُرضت عليه، والحرب في سوريا بعيدة عن حدوده وهو يخوضها بميليشيات لبنانية وعراقية وأفغانية. ثم أن طهران راكمت في السنوات العشر الأخيرة ما يكفي من نفوذ يمكنها من أن تدفع منه وأن تقدم تنازلات من أرصدتها المستجدة.

ثمة لحظة تعود فيها طهران دائما إلى موقع في منتهى البراغماتية، ويكشف فيها نظامها قدرة "ثعلبية" على الانقلاب على نفسه. معادلة "كأس السم" الذي تجرعه الخميني حين أعلن قبوله وقف الحرب مع العراق، صارت درسا ثابتا في علاقات طهران الدولية وتقنية تفاوض دائمة لديبلوماسيتها.

النظام في إيران هو جزء من التوازن الذي تُهدده الحرب، بينما لا تبدي واشنطن حرصا على هذا التوازن. "صفقة القرن" إخلال هائل به، وتوتر العلاقة مع أنقرة ودفعها إلى أحضان موسكو إخلال به أيضا. أمثلة كثيرة كشفت خلالها الإدارة الأميركية عدم تمسكها بثوابت أسلافها من الإدارات، تذهب بنا إلى قناعة بأن التنازل في اللحظة الأخيرة يجب أن تقدمه طهران.

ما يعزز من هذا الاحتمال بأن الأثمان المطلوبة ممكنة، والتبعات المعنوية للتنازل يمكن أن يهضمها خطاب كأس السم.

الواقعية ستكون على أشدها، وهي أصلا على أشدها. فحين أقدمت موسكو مؤخرا على تسليم جثة الجندي الإسرائيلي لتل أبيب، لم يتطلب الأمر أكثر من مقال احتجاجٍ في صحيفة لبنانية، وقضي الأمر وتمت الصفقة، ودفن أهل الجندي ابنهم في مقبرة في تل أبيب.



نقلا عن موقع الحرة


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك