كيف يمكن إحياء عملية السلام الميتة في اليمن

بعد ما يقرب من ستة أشهر علي توقيع ما يسمى باتفاق ستوكهولم من قبل الأطراف المتحاربة في اليمن في محاولة لمنع تفاقم ألازمة الانسانية، فإن أي شكل من مظاهر التقدم يكاد يكون منعدماً.

ينص الاتفاق الموقع في 13 ديسمبر على إعادة نشر القوات بعيدا عن الموانئ البحرية الهامة في الحديدة وتشكيل لجنة مشتركة لقضية تعز المحاصرة منذ فترة طويلة، وتبادل أسرى الحرب والمعتقلين السياسيين. وبدعم من المجتمع الدولي، أعطى الاتفاق جرعة من الأمل للمراقبين بان الخطوة الأولى نحو السلام في اليمن قد تكون في متناول اليد.

لكن يبدوا أن المصافحة بين رؤساء وفود الأطراف المتحاربة هي التقدم الوحيد الذي أحرز. فلا يوجد أن تحسن يذكر على الأرض منذ كانون الأول/ديسمبر، فيما تتراكم العقبات الدبلوماسية باستمرار. فقط خلال الشهر الماضي، أوقف الرئيس اليمني المعترف به دولياً، عبد ربه منصور هادي ، بشكل مؤقت محادثاته مع مبعوث الأمم المتحدة مارتن غريفيث بسبب ما اعتبره الرئيس والحكومة الشرعية التحيز تجاه مليشيات الحوثيين المتحالفين مع إيران. وتاتي هذه الخطوة بعد أيام من ان اتهام غريفيث بارتكاب "تجاوزات" أثناء إفادته في مجلس الأمن الدولي.


لم يكن هذا الفشل مفاجئاً لمعظم اليمنيين، الذين كانوا منذ البداية مترددين في تعليق آمالهم علي الاتفاق الجاري و امكانية تنفيذه. وعلى الرغم من تحذيرات الكتاب والمراقبين اليمنيين من أن المجتمع الدولي يحبذ النفعية السياسية على معالجة الأسباب الجذرية للنزاع، فقد بدا حينها أنه تم الضغط على الأطراف المتحاورة للتوصل إلى إتفاق محدود لجلب نصر وهمي.



فقد افتقر الاتفاق إلى تفاصيل أساسية، إذ لم يحدد على سبيل المثال السلطات التي ستكون مسؤولة عن تأمين موانئ الحديدة، أو آلية تنفيذ اعاده الانتشار، وبذلك تركت القضايا الأكثر اثارة للجدل ليتم التفاهم حولها في وقت لاحق. والأهم من ذلك كله أن وسطاء من الأمم المتحدة تجاهلوا عدم توازن السلطة بين الأطراف المتحاربة. فقد كانت الحكومة اليمنية عرضة لضغوط إقليمية ودولية، في حين قدمت مليشيات الحوثي والتعامل معهم على قدم المساواة مع الحكومة الشرعية، وتم منحهم انتصارا لمجرد الظهور فقط.


وهذا هو جوهر المسالة التي يختار الكثيرون من خارج اليمن تجاهلها، فالحوثيون ليس لديهم أي حافز لتنفيذ الاتفاق، وبعد أن تعلموا من تجربتهم مع المجتمع الدولي خلال سنوات الحرب، فإنهم لا يخشون تداعيات انتهاكه.


إنه ولتحقيق أي استقرار دائم في اليمن والمنطقة، فإنه ينبغي أن تأخذ جهود السلام في اليمن مستقبلا مساراً مختلفاً، إذ يجب أن تبدأ خارطة الطريق للسلام في اليمن من الداخل. يحتاج المجتمع الدولي إلى استخدام موارده للمساعدة في اعادة بناء الحكومة الشرعية اليمنية. وأهم الخطوات هنا هي مساعده الحكومة على التواجد بشكل أقوي في المناطق المحررة في البلاد وإعادة بناء مؤسسات الدولة - مثل توحيد قوات الأمن ودعم الجهاز القضائي والجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، والمؤسسات المالية.


وهذا لن يحدث بالطبع ما لم تمارس ضغوط حقيقية على التحالف الذي تقوده السعودية- وعلى الإمارات العربية المتحدة، وبخاصة في محافظات جنوب اليمن- لوقف تمويل وتسليح المليشيات غير الحكومية، التي يتعارض الكثير منها بشكل مباشر مع الحكومة الشرعية التي تزعم الإمارات أنها تدعمها. إن كل الجهود التي تبذلها الحكومة اليمنية لاستعادة سيادتها وسيطرتها علي مؤسسات الدولة خلال الفترة الطويلة الماضية قد تمت إعاقتها بفعل الاعمال التي قامت بها المملكة العربية السعودية والإمارات. فبعد مرور أكثر من أربع سنوات على تدخل التحالف في اليمن، تبقى استراتيجية المملكة العربية السعودية غير واضحة المعالم.


فيما تواصل الإمارات العربية -التي تختبئ وراء التحالف- تنفيذ استراتيجية مدروسة بشكل أكبر، لإضعاف الحكومة اليمنية وتقسيمها. ومع ذلك، فإن الإمارات لا تتلقى نقداً يذكر لدورها في اليمن مقارنة بالمملكة العربية السعودية، التي تتحمل الجزء الأكبر من لكمات و ضغط المجتمع الدولي. هذا يجب أن ينتهي.


لقد حان الوقت للشروع في عملية سياسية بين الأحزاب اليمنية المتحدة في معارضتها للحوثيين ولكنها منقسمة في صراعها على السلطة، وهي مشكله تعرضت لمزيد من الاستغلال خلال الأزمة الخليجية الحالية. ويمكن حل النزاع القائم بين الأحزاب السياسية اليمنية إذا شملت العملية إعادة تشكيل البرلمان اليمني في الأراضي اليمنية المحررة، وإعادة تقييم لأداء مؤسسة الرئاسة، بحيث تكون عملية اتخاذ القرار أكثر شمولية ولا تبقى رهينة بيد الرئيس هادي.


خاب أمل العديد من اليمنيين بسبب غياب القيادة المتمثلة في هادي على مدى السنوات الخمس الماضية، لأسباب ليس اقلها أنه لا يزال "رئيسا للفندق" يعيش في المملكة العربية السعودية. سيكون من المستحيل تقريباً علي اليمن المضي قدماً دون إعادة تشكيل موقع الرئيس هادي أو مسؤولياته. حكومة قوية ذات دعم واسع فقط يمكن أن تقود اليمن إلى السلام.


ينبغي أن يكون إخفاق اتفاق استكهولم في تحميل الأطراف أي نوع من المساءلة درساً للجميع. إنه في حال أخفق المجتمع الدولي في تعزيز مؤسسات الدولة ومساعدة الحكومة اليمنية علي استعادة سيادتها، فإن الأسباب الكامنة وراء الصراع ستظل قائمة ومن المرجح أن تستمر أسوأ أزمة إنسانية في العالم بدون توقف.

* المقال نشر في جريدة الواشنطن بوست

* ترجمة خاصة بموقع المصدر أونلاين


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك