صفقة ترامب.. تصفية القضية مقابل الازدهار

يوم أمس في المنامة أعلن كوشنر مبعوث الرئيس الأمريكي ترامب عن الشق المادي لصفقة أسماها (الازدهار من أجل السلام)، وقيمتها 50مليار دولار، منها 28مليار في الضفة الغربية وقطاع غزة، و22 مليار موزعة على مصر والأردن ولبنان.

هذا هو الجزء المعلن من الصفقة، أما الجزء السياسي من الصفقة فلم يعلن عنه كاملا إلى الآن، لكن خطه العريض يبدو واضحا، ونقرأه كما يلي:

الصفقة ليست بحث عن حل للقضية الفلسطينية، ولكنها محاولة للقفز عن القضية الفلسطينية التي طال أمدها، إلى تطبيع كامل بين الدول العربية واسرائيل تمهيدا لإتمام مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي يراد إعادة رسم خريطته بصورة جديدة تتموضع دولة اسرائيل في مركزه السياسي والاقتصادي والعسكري.

القفز عن القضية الفلسطينية يعني أن يتم قلب الأولويات؛ بالبدء أولا بالتطبيع الكامل بين اسرائيل والدول العربية وحل مشكلة اللاجئين بالتوطين في البلدان المشمولة بالصفقة، ثم تترك السلطة الفلسطينية أمام خيارين:

إما القبول بالصفقة والتي تعني فلسطينيا: تطبيع الوضع القائم حاليا (بقاء الاستيطان مع حكم ذاتي تحت السيادة الاسرائيلية في غزة وما تبقى من الضفة بدون القدس)، مقابل حزمة مشاريع بقيمة 28 مليار دولار توفر فرص عمل للشباب وتعالج مشاكل البطالة والخدمات، وإنشاء ميناء ومطار وجسور وطرق ومحطات كهرباء ومناطق تجارية ومنتجعات سياحية.

وإما أن يرفض الفلسطينيون الصفقة وبالتالي تصفى قضيتهم ويتركوا لمواجهة مصيرهم منفردين أمام دولة الاحتلال الصهيوني دون ظهير عربي أو تعاون دولي.

خلاصة الصفقة وفق ما يريد أصحابها هي: تصفية القضية الفلسطينية باستبدال حق العودة بالتوطين، واستبدال حل الدولتين بالحكم الذاتي، واستبدال حل الدولة ثنائية القومية بيهودية الدولة، واستبدال الدعم العربي للسلطة الفلسطينية بالتطبيع الكامل مع اسرائيل. كل ذلك مقابل رشوة مادية اسمها (مشاريع الازدهار) قيمتها 50مليار دولار، هي في الواقع فرص استثمارية جديدة للرأسمال اليهودي العالمي.

في تقديري هناك وهم كبير يعيشه بعض المتحمسين العرب للصفقة، يشبه حالة الوهم التي عاشها العرب أيام ثورة الشريف الكبرى عام 1916م، فهنا خديعة صهيونية اسمها (الشرق الأوسط الجديد المزدهر) تشبه خديعة لورنس ومكماهون القديمة.

تصفية القضية الفلسطينية وتمكين اسرائيل في هرم المنطقة، تشبه تصفية ثورة الشريف الكبرى، وسيؤدي في النهاية إلى تغيير خريطة الدول العربية القائمة وفرض واقع تقسيمي أسوأ من واقع سايكس بيكو الأولى.

أتوقع أن الصفقة ستفشل، وقد تتراجع الادارة الامريكية عنها إذا عادت للاستماع للأصوات العاقلة داخلها، أما في حال الإصرار نحو فرضها رغم أنف الشعب الفلسطيني والشعوب العربية والاسلامية، فهذا معناه مزيدا من الاشتعال في المنطقة بين الشعوب العربية وأنظمتها الحاكمة من جهة، وبين الشعب الفلسطيني ودولة الاحتلال لاسيما في حال إنهيار السلطة وانتهاء التنسيقات الأمنية وعودة الأمور إلى مربع المقاومة كما كان قبل أوسلو، وبالتالي فشل فرص السلام لعقود طويلة قادمة.


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك