ماذا فعلت العقوبات بالشعب الإيراني؟

للتجول في أرجاء مدينة طهران، لا شيء أفضل من ركوب دراجة نارية، فهي وسيلة رخيصة التكلفة وسريعة، ويمكنك خرق قوانين المرور عند الازدحام متى أردت. إذ إن الدراجة النارية هي سرّ السيولة المرورية في هذه المدينة التي يبلغ تعدادها 15 مليون نسمة، فهي مصدر إزعاج، وضرورة في الوقت نفسه.

أحاول إقامة علاقة خاصة مع عدد من ميكانيكي الدراجات النارية، فمن دونهم سوف تتوقف حركة المرور في طهران، لذا فإنني أُنصت إليهم متى قدَّموا إليَّ النصيحة.

اشتكى لي فارزاد، ميكانيكي الدراجات النارية الذي يعمل في مرآب صغير بالحي الذي أسكن فيه، من أن سعر زيت المحرك قد تضاعف ثلاث مرات في أواخر مايو/أيار، وصارحني بأن: «الزبائن يظنون أنني أسرقهم، فأطلب منهم أن يذهبوا إلى السوق ويشتروا الزيت بأنفسهم فلا مانع عندي، وسوف أغيِّر لهم الزيت».

في زيارة إلى مدينة أربيل في كردستان العراق، اشتريت له حذاء رياضياً مستعملاً بسعر 10 دولارات، فبرقت عيناه عندما أهديته الحذاء. فهذا الحذاء يقدر ثمنه في إيران بحوالي 100 دولار، أي ما يعادل أجر شهر كامل بالنسبة لعامل.

في صباح يوم الخميس الموافق 20 يونيو/حزيران، أسقطت إيران طائرة استطلاع أمريكية بدون طيار، فادَّعى الأمريكيون أن الطائرة بدون طيار كانت في المجال الجوي الدولي، فأخرج الإيرانيون إحداثيات خاصة بهم، تظهر أنها كانت داخل الأراضي الإيرانية. في مساء يوم الخميس ذاته، وافق الرئيس ترامب على شنِّ هجمات انتقامية على إيران، ثم عدل عنها في اللحظات الأخيرة. يخشى خبراء دوليون من أن يكون احتمال نشوب الحرب أمراً وارد الحدوث بشدة، وهذا الأمر لا يخفى على أحد في طهران.

أنا أسكن في 30 شارع تير بجنوب طهران، قلب المدينة النابض بالحياة، يبعد سوق طهران المليء بالدهاليز مسافة قصيرة سيراً على الأقدام. كما توجد هناك وزارات حكومية، ومكتبات، وكنائس، وكنيس يهودي، ومدرسة زرادشتية ثانوية بالقرب كذلك.

هذه هي طهران التي كانت جاذبة للزوار، لكن لا يوجد منهم سوى القليل. فالتأثير المدمِّر للعقوبات الأمريكية واضح في كل مكان، وغالباً ما تكون المحالُّ خاليةً، والمطاعم كلها بلا زبائن.

في جادة حافظ المجاورة، يسود الصمت المطبق مجمع التسوق المتخصص في بيع الهواتف المحمولة.

يدير عباسي، أحد الضباط القلائل في 30 شارع تير، الذي لا يزال يجتذب الزبائن، وهو ضابط متقاعد في الجيش يقوم بإصلاح الأجهزة المنزلية، فالناس لا يقوون على شراء أشياء جديدة. ثم قال «حسنا، أليست هذه حرب بالفعل؟» إنه سؤال يطرحه كثير من الإيرانيين على أنفسهم هذه الأيام.

منذ أن أعادت إدارة ترامب فرض العقوبات، العام الماضي، انخفضت صادرات النفط الإيرانية بأكثر من النصف، وفقد الريال الإيراني أكثر من 60% من قيمته مقابل الدولار في العام الماضي، وبلغ معدل التضخم 37%. فحدث انكماش في الاقتصاد الإيراني بنسبة 4% في عام 2018، ومن المتوقع أن ينكمش بنسبة 6% هذا العام.

تتعلق العقوبات في نهاية المطاف بحياة الأفراد؛ فالأدوية المثبطة للمناعة بعد عملية زرع الكبد ارتفعت فجأة في السعر، وتكاد تختفي من السوق، إحدى الرسامات من بعض المشاهير توقفت عن ممارسة حرفتها بعد 30 عاماً، بسبب التكلفة الباهظة الحالية لمواد الرسم، مهنيون شبان بلا عمل في طهران ينزحون بأعداد كبيرة لتجربة حظهم في مدن أصغر وأقل تكلفة.

ارتفع سعر الورق إلى خمسة أضعاف، وسعر قطع غيار السيارات إلى أربع أضعاف، وأصبحت معظم الفواكه من المنتجات التي لا يقوى على شرائها سوى الأثرياء، ولا تستطيع العديد من العائلات توفير المال لشراء اللحم، ناهيك عن أن المصانع يجري إغلاقها في المقاطعات.

عندما تتحول فجأة دولة مثل إيران -التي تملك رابع أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم وقوة عاملة متعلمة- إلى شعب فقير، فإن هذا مدعاة للشعور بالخجل والإحراج. في بعض الأحيان قد تتحول ردود الفعل إلى أمور هزلية: «أوكازيون حصري!» يصيح بائع متجول بالقرب من ميدان «فاناك» في شمال طهران «يا سيداتي، لقد قررتُ أن أخفض أسعار البلايز بسبب سوء نية ترامب، أنا والسيد ترامب لا نهدف إلى إرضائكنَّ، بل إلى إفراغ جيوبكن من المال!»

قد تبدو الحياة في إيران غير محتملة من دون الترويح عن النفس بالنكات من وقت لآخر. الوعي الشديد بما قد تصير إليه الأمور يخيّم على الأجواء مثل الكابوس، أتذكر تلك الليلة التاريخية التي لا تُنسى في صيف عام 2015، عندما أعلن الرئيس الإيراني حسن روحاني عن الاتفاق النووي مع الرئيس أوباما، فاتَّجهت للاحتفال مع عشرات الآلاف من الجماهير في طهران.

لقد تخيَّلنا أن فصلاً جديداً قد بدأ في علاقة إيران بالعالم. بعد تخفيف العقوبات بدأ الاقتصاد الإيراني يحقق قفزات كبيرة. وفقاً للبنك المركزي الإيراني نما الاقتصاد بنسبة 12.5% بين مارس/آذار 2016 ومارس 2017، كان المنتجون الأوروبيون مثل شركة بيجو يستعدون لاستثمارات كبرى.

بعد أربع سنوات تم تدمير آمال وتطلعات أمة بأكملها ترغب في الخروج من حالة الجمود. تجد إيران نفسها على شفا الحرب مع الولايات المتحدة، بعد توقيعها على اتفاق نووي لم تنسحب منه.

سواء كنت مناصراً أو معارضاً للجمهورية الإسلامية، فعندما يوصم الحرس الثوري الإسلامي، القوة العسكرية الأبرز في بلدك، بأنه منظمة إرهابية بينما يتم حظر سبل التبادل الاقتصادي بين بلدك والبلدان الأخرى، وحظر تصدير النفط، وهو المنتج الرئيسي للدولة بغرض تضييق الخناق، قد يُغفر للشخص الإيراني العادي ظنه أن الحرب ليست سوى مسألة وقت.

إن آخر مرة كان بها اختبار صعب للإرادة بين إيران وبلد آخر كان غزو صدام حسين في الثمانينات، حينما كثَّفت إيران، التي كانت تعتمد بالكامل على التكنولوجيا والمعدات العسكرية الغربية قبل الثورة، جهودَها أثناء الحرب وبعدها لزيادة اعتمادها على الذات.

مجموعة من الجيل الذي يدير الحكومة والقوات العسكرية الإيرانية على مدار الثلاثين عاماً الماضية قد بلغوا سن الرشد خلال أحلك أيام الحرب العراقية الإيرانية، لذا فقد اكتسبوا خبرة في الحرب غير المتكافئة، والإتقان المحلي للصناعة وتكنولوجيا الصواريخ والحرب الإلكترونية والطائرات بدون طيار؛ لأنهم لم يجدوا أي وسيلة أخرى للحصول على فرصة للقتال في نضالهم الطويل ضد الولايات المتحدة.

بعد انسحاب الرئيس ترامب من الاتفاق النووي، كان صانعو القرار الإيرانيون مقتنعين بأن استراتيجيتهم -البراعة العسكرية المتمثلة في الاكتفاء الذاتي والعمق الاستراتيجي في المنطقة- كانت صائبة طوال الوقت.

كان لسادي شيرازي، كاتب فارسي كبير عاش في القرن الثالث عشر، قصة عن ملك في البحر. إذ إن أحد رجال حاشيته لم ير بحراً بهذا الاتساع من قبل، فانكبَّ يبكي ويصيح ويريد العودة إلى البرِّ، إلا أن مستشار الملك كان لديه حل وهو: رمي الرجل الذي لا يعرف السباحة في الماء، وسيكتشف على الفور أنه محظوظ لوجوده على متن سفينة آمنة.

إن سياسة إدارة «ترامب» المتمثلة في «الضغط لأقصى مدى» على إيران توحي بإلقاء البلاد في البحر كي تعود إلى رشدها. غير أن إيران تعلمت السباحة خلال حربها مع العراق. فإيران لا تعترف بالملك، ولا تنظر للسفينة على أنها الملاذ الآمن. ففي النهاية، الكيان الذي ألقى بها في هذا التيار مرة قادر على تكرارها، وسوف يفعلها مرة أخرى.





المقال مترجم من قبل موقع عربي بوست عن موقع صحيفة The New York Times الأمريكية

شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك