قصص من داخل معتقل الصالح(1).. أخلاق زائفة لمسيرة "مسخ"

أستهل بهذه القصة، تبعاً لما قرأته بالأمس من تعليقات تمجد ميليشيات الحوثي الإرهابية مطلقاً لتعاملها "الأخلاقي" مع تنقلات المسافرين "العوائل" مقابل تعامل مختلف لغيرهم.


جاء التمجيد "الغبي" تفاعلاً مع ما كتبه منصور الفقيه عن احتجازه وأفراد أسرته وتفتيشهم بطريقة مهينة في إحدى نقاط التشكيلات المسلحة في المناطق المحررة.لست بصدد الدفاع عن أي انتهاك يرتكب من قبل أي جماعة أو التهوين منه، أو مقارنته، أو الاستشهاد به للإشارة إلى أفضلية جماعة منتهكة على أخرى.

أدرك جيداً ما يعانيه المسافرون هناك من ممارسات عنصرية همجية، لكن النموذج الحوثي ليس الملائم قطعاً لاستحضاره استعراضاً للمثالية والأخلاق.


لن أتحدث عن مئات اليمنيين وعوائلهم الذين لطالما أهينوا وسجنوا وأعيدوا في نقطة تفتيش واحدة خبرتها وجربتها بنفسي مع أسرتي، وهي نقطة "أبي هاشم" في رداع في طريقنا إلى مأرب والعودة عام 2017.
ساشير إلى حادثة أخرى عايشت جانباً منها وشهدت على بعض تفاصيلها، وصار لزاماً الإشارة إليها للتأكيد أن لا حرمة لأحد لدى ميليشيات، يطال إرهابها كل محرمات الناس وأخلاقهم ودينهم وأعراضهم، بل ويخدشونها وينسفونها دون أن يهتز لهم جفن أو يشعروا بالخجل لجرمهم أو قبيح صنعهم..


الحقيقة أن لا مجال للحديث عن الأخلاق والقيم والعادات بعد الجرأة على الدماء، فكل ما دونها أهون.. لم اكن أنوي الاستهلال بهذه القصة لكن أذكرها فقط ليفرمل البعض عندما يتحدثون بثقة وبالمطلق عن أخلاق المسيرة الحوثية "الدنيئة" في التعامل مع العوائل والنساء.


قيامة في الزنزانة!



26 يونيو 2018; هذه آخر ليلة لي في معتقل المدينة السكنية، أو معتقل الصالح، ولم أكن ليلتئذ واثقاً أنها الأخيرة.. كانت الساعة تؤشر للواحدة بعد منتصف الليل، وزنزانتنا الأرضية الواسعة من شقتين في أدنى مستويات اليقظة رغم أن الزنازين لا تنام..


شق سكون الليل - الذي لا تشقه سوى أصوات تجريب الأسلحة في ورش الصيانة- صراخ وبكاء أطفال مصحوباً بضجيج وصياح الكبار.. ركزت في محاولة لالتقط الصوت من مكان ما بالخارج، وكلما ركزت أكثر اقترب الصوت أكثر إلى داخل الزنزانة..
كان مشهداً مرعباً سألت أحد الزملاء الذي قدم مصدوماً من أمام بوابة الزنزانة، فكان يضرب رأسه بيديه قائلا: قامت القيامة لعنة الله عليهم قامت القيامة (شتائم تعزية) يكررها ولا يزيد، فيما لم يجب ثلاثة آخرون على سؤالي من فرط الذهول والصدمة، حتى شاهدت الأمر بنفسي. أدخلوا المستثمر الكبير صاحب المطاعم الأشهر في تعز ومدن أخرى (الرباش) مع طفليه الزنزانة ومعه رجل آخر أظنه أحد معارفه الذي ينتمي لمنطقة خولان بصنعاء ومعه طفله أيضا..


ثلاثة أطفال دون العاشرة داخل الزنزانة وهذا كان كافيا لتشعر بكل قهر وغضب الدنيا، وكان الرجلان في ذروة الغضب والقهر ودون أدنى استكانة أو تذلل.أخذوا الرباش وصديقه من إحدى النقاط الحوثية في نقيل الإبل، عند منتصف الليل بينما كان متوجهاً إلى قريته في ريف تعز..اقتادوا الرجلين للزنزانة وأطفالهما معهما فيما تركت النساء في السيارة جوار النقطة ونقلن لاحقاً إلى فندق "ريمان" بمفرق ماوية..أظنهم حبسوا أيضاً شيخاً ومرافقه حضر إلى النقطة للتعريف وضمانة الرباش.وأياً كان هذا الصيد الثمين الذي ضبطوه، وأيا كانت تهمته، فإن استثماراته الواقعة تحت مناطق نفوذ الحوثيين ستضمنه في أي تهمة. 


ولئن كانت النذالة والانحطاط قد بلغا منتهاهما في التعامل معه فإن ذلك لا يعني أن لا يرقبوا حرمة للنساء والأطفال.أهمج سلطة في الدنيا ستقول لهم التالي: أنتم مضبوطون ولن نستطيع ترككم، سيتعين علينا مرافقتكم بأطقمنا ومسلحينا لتعيدوا النساء والأطفال إلى أحد منازلكم أو منازل أقاربكم، وستكونون بضيافة "ضغاطاتنا". ولهم أن يحتاطوا لذلك الإجراء بكل الوسائل الممكنة.


وقاحة لا تعرف الخجل



كانت وطأة الاعتقال والتعامل المهين ثقيلة على الرجلين وعلى أطفالهما وعلى عشرات المعتقلين داخل الزنزانة، لكنها فيما يبدو كانت طبيعية ومألوفة لدى الحوثيين الذين لم يوجد بينهم من يخجل لفعل كهذا ويحاول معالجته. الثالثة فجراً نادوا على الرباش ليسلمهم الأطفال ليعيدوهم لأمهاتهم اللائي نقلن إلى الفندق لكنه رفض، وامتنع وأكد لهم أنه لن يسلم أطفاله لهم..

كان أحدهم يخاطبنا قائلا: قلدكم الله كيف نسوي لهم.. العوائل رافضات يروحين الا لما يجوا الجهال وهذا مش راضي يديهم في وجهي.أحد المعتقلين صرخ غاضباً: لو معكم وجوه ما دخلتم الأطفال للزنزانة ولا أخذتم الناس من جنب عوائلهم.بطبيعة الحال كانوا يدركون جيداً وقاحة الجرم الذي ارتكبوه لكنهم لا يكترثون لأنه عمل ممنهج تماماً ويريدون أن يعي الناس همجيتهم تلك ويخافون منها.


تدخلنا وطلبنا منهم إحضار بعض أقارب الرباش لأخذ الأطفال، لكن الرحل كان يصر على بقائهم معه ويرفض تسليمهم لأي شخص، وربما كان هاجسه قد ارتفع خشية اختطاف أطفاله أو أخذهم كرهائن.. كان من حقه ألا يثق بهم على أطفاله.غادرت الزنزانة وأنا لا أدري سبب الاعتقال.. ولم أحاول أن أسال، كان المشهد مغنياً عن محاولة إرهاق الرجلين بأمور كهذه في وضع كهذا، على أني توقعت أن يكون الأمر متعلقاً بضيف الرباش الذي كان معه ولعلهم اتهموه بأنه كان يسعى لمساعدته في الانتقال إلى عدن.


ثمة من تحدث أن الخلاف على أرضية باعها الرباش بمبلغ كبير وطلب منه عمولة فاحشة دعماً للمجهود، ورقة الابتزاز الرابحة في وجه كل من يمتلك مصدرا لدخله.. لكني أدرك أن هناك من سيتكفلون بالرواية الصحيحة لسبب اعتقاله وكيف خرج.نمت بعد صلاة الفجر مثقلاً بكل قهر الدنيا.. كنت أقول إذا كان هذا حالي فكيف حال هؤلاء الليلة.. انفجرت بالبكاء وأنا أتذكر مشهد الأطفال ورعبهم تلك الليلة وحجم الإهانة وكم الانحطاط الذي عومل بها مع اليمنيين.


كنت موعوداً بالإفراج ذلك اليوم وبالفعل غادرت، رغم قنوطي من ذلك، بعد مشهد تلك الليلة، إذ كيف أفكر بخلاص من يزج بالأطفال في السجون، رفقة رجل تضمنه أملاكه واستثماراته فضلاً عن أن كبار الكروش الحوثية المشرفة في تعز وغير تعز أصبحت مترهلة من ثقل وجبات مطاعمه الدسمة.


جنازة ومشيعون في المعتقل



قبل أيام، تواصل معي أحد زملاء الزنزانة الذي كان معنا وبقي مع الرباش أياماً إضافية أخبرني بالرواية التالية لما جرى: كان الرباش يمشي بالمصادفة وراء جنازة لسلفيين من إب حبسوا الميت يوم أو يومين وحبسوا أصحاب الجنازة وأخرجوهم واحداً تلو الاخر على مدى ثلاثة أسابيع..


كانوا بضع عشرة مشيعاً. امسكوا الرباش مع الجنازة في وقت واحد، بعدما ارتفع الحس الأمني وظنوا أن العملية (مرور الجنازة، وبعدها العوائل في سيارة الرباش) مدبرة لتهريب شخص مهم، وجاء الشيخ علي محمد من نقيل الابل، ضابط تعزي برتبة عقيد بمعسكر العلا، جاء مع ابنه للتوسط والتعريف بالرباش فاعتقلوهما معا..

كانوا يطالبون الرباش بمبلغ خمسين او مئة مليون لا أتذكر (والكلام السابق لزميل الزنزانة حتى هنا). بالتأكيد خسر الرباش مقابل خروجه مبلغا ضخماً جمعه من حرارة تناوير الرشوش ومن حلال المرق والكروش، فيما تضخمت كروش هؤلاء بأموال اللصوصية والسحت، وترهلت ضمائرهم بأعلى معدلات السفالة والانحطاط الانساني والأخلاقي.ايها المخدوعون السذج بالأخلاق الحوثية..

إنما هي أخلاق زائفة لمجاهدي مسيرة"مسخ" لن يكون لها في الحضارة مستقر أو قرار.


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك