الوطن الخارطة.. القائد المغني

يتضاءل الوطن كحلم، بعد أن تضاءل كفكرة، وتكاد جغرافيا الوطن الفكرة والحلم أن تصبح مجرد ذكرى نعتاش عليها في مسامرات الأصدقاء.

نؤثث أوقاتنا بالأمل، عل شيئا ما سيبدد الخيبات، ثم نتأمل الشاشات فنرى صوراً لوجوه تيبس المستقبل في تجاعيدها، وجفت معها معالم انتظاراتنا لكي نجد فيها ابتسامة تعيد لنا شيئا من أي شيء.

مجّدنا الحرب لنصنع منها السلام، وهي النتيجة التي خرجت بها حروب عالمية وأهلية.. سبقتنا تلك الأقوام إلى الحرب، ثم كانت النتيجة أن سبقونا إلى التعب من الحرب، لكن لا يوجد حرب تشبه أخرى، كما لايوجد زعيم يشبه آخر.

تعبت الجبال والأزقة من جثثنا، ومازلنا لم نتمكن من صياغة فكرة تعيد للحرب اعتبارها، وتعيد للحرب تعريفاً يليق بها، ومساراً ينتهي بالهزيمة أو النصر.

كسرنا طرقات العودة حين صدقنا الهجرة الكبرى، نام القائد وبقينا ننصب خيام الترقب جوار خيمته حتى كبرت خيامنا وامتدت إلى أقاصي الأرض، ومازالت طرقات العودة تتكسر خلف مواكبنا ومراكبنا.

تتبدد فكرة القائد مع تبدد فكرة الوطن، مع أن الوطن يصنع القادة، لكن القادة أنفسهم إما أن يصنعوا من أنفسهم قادة يستحقون المجد، أو أن يصنعوا لأعدائهم أجمل الانتصارات، وأبطالاً لتلك الانتصارات.

أسوأ ما يحدث هو أن يحرق القائد أعوانه وجنوده، ويتلذذ بشوائهم في موقد اللامبالاة، وهو ما يجعل منهم مجرد كتل لحمية تتلقى لعنات الناس، أما هو لا يأبه لأنه لا يسمع تلك اللعنات، كونه مغيب عن الكون.

ترك القائد خيامنا للريح، وربطها جميعا في أوتاد الغريب، وظل الغريب يذلنا بأوتاده حتى تشققت، فقمنا نسند تلك الأوتاد بأجسادنا خيفة أن تسقط وتقتلنا، ولكن الأعاصير تأبى إلا أن نموت تحت رحمتين، رحمة الوتد ورحمة العراء.

جاء الغريب كأعرابي كريم، فمنحنا بعض القهوة، وأخذ منا متاعنا مقابل قهوته.. تذوقنا مرارة قهوته حتى الثمالة، ولكننا اكتشفنا في نهاية الكأس أننا شربنا الرمل بنكهة القهوة لا أكثر.

كلما صحى القائد نادى علينا أنه مازال قائداً، فنخرج من خيامنا نصرخ "عاش القائد.. عاش القائد"، فيطمئن أننا مازلنا هناك ليعود مرة أخرى إلى سريره.

يقف حجاب القائد متكرشين أمام باب خيمته، ليطمئنوه أن خيام رعاياه مازالت صامدة، وأن الرعايا مازالوا يهتفون بحياته، فينادي القائد بالمغني، ويغني المغني وينام القائد، والمغني يغني، ويحلم القائد بأنه في الوطن، والمغني يغني، ويحلم بالماضي، والمغني يغني، ويحاول الذهاب إلى المستقبل فيصعب عليه ذلك فيصحو قليلا ليتأكد أن المغني مازال يغني، فيواصل حلمه القديم.

يتذكر القائد أن لديه ولاة وعمالاً فيصحو داعياً إياهم لتذكر وجوههم، فينسى وجوه العمال والوزراء والقادة.. ينسى الجميع، وينسى أنه هو، لكن الحاجب يذكره بقصة الهجرة الكبرى فيصلح جلسته ويرشف شيئا من القهوة وحبة تمر، فيبدأ مجددا سرد الحكاية، ثم ينسى مقطعاً من الرحلة فيذكره خازن بيت المال بالمشهد، فيبتسم امتناناً لذلك، ثم يتعب من الرواية فيصرف الجميع ويدعو المغني.

ترك القائد وراءه جيوشاً في الوطن، حاربوا الأعداء ونجح بعضهم، وتراخى البعض، وانتظر البعض أوامر القائد لسنين، ولم تأتِ، باع البعض، ونسي البعض الحرب، وعاثت الممالك الحليفة في مملكة القائد، وتقاسم الجميع غنائم الحلف بدون علم القائد، وظهر قادة غير أولئك الذين عينهم، ومازال المغني يغني للقائد، والقائد يحاول الحلم بالمستقبل فتعود به الأحلام إلى الماضي.

يفتك الجوع بالرعية، بينما تذهب الجبايات إلى جيب الحجاب والأعوان وأقارب القائد، ويصحو القائد فجأة ليخطب في الناس أن العدو سينهزم ويعود لسماع المغني والحلم بالماضي بعد أن عجز عن الحلم بالمستقبل.

ينادي القائد وزيره الأول باسم غير اسمه، فيقول الحاجب إن وزيره الأول الذي ناداه قد تم تغييره منذ زمن، فيسأل من هو وزيره الأول الجديد، فيتذكر الاسم رويدا ويهز رأسه وكأنه عرفه، ثم يتراجع عن رغبة اللقاء به، وينادي المغني.

يدرك القائد أن كثيراً من حصونه عادت إليه أثناء غيابه، لكنه لا يشعر بالامتنان لأولئك الذين أعادوا له حصونه، لأنها تشعره بنهاية حكايته الأثيرة عن رحيله، فحكاية العودة لن تكون مثيرة لديه كتلك الحكاية، فينادي المغني.

يظهر أعداء جدد ليأخذوا حصونه التي عادت، فينادي الولاة والمعاونين ويقول لهم، لا تقلقوا فالريح ستقتلع عيون الأعداء ولا يحتاج الأمر لضربة سيف من قبلنا، ويغادر إلى خيمته وينادي المغني، وقبل أن ينتحر المغني، غنى:

ومن لم يذُد عن حوضه بسلاحه
يُهدَّم ومن لا يظلِم الناس يُظلم

ومن يَغْترِب يحسِب عدوا صديقه
ومن لا يكرِّم نفسه لايُكَرَّمِ

* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك