الشرعية والإصلاح وتلازم المصير

في عدن لم يغب الإصلاح عن المشهد حتى في اكثرالفترات اضطرابا وقلقا وخصومة ضده . ظل حاضرا مواجها المحيط العدائي المشحون منتهجا سياسة الإقتراب اكثر من القضية الجنوبية وفصائل الحراك ومنخرطا في النشاط العام وكان هذا نتاج تفهم من قبل قيادة الإصلاح ويقين بعدالة الكثير من القضايا المطروحة وكذا نتاج استيعاب لحساسية وضع فروعها في الجنوب منذ بدء الحراك وهو ما فرض اعطاءها قدراكبيرا من الإستقلالية والحرية في تقدير الموقف واتخاذ القرار والتعامل مع مختلف المستجدات وذلك من أجل ايجاد حالة من التوافق والإتساق والتناغم مع حركة الجماهير ومطالبها عموما وقد بقي الاصلاح وفيا للإشتراكي منذ بدايات تفجر الأوضاع في الجنوب وعمل على إسناده في مواجهة الحملات والتوجهات التى كانت تستهدفه من قبل أطراف داخل الحراك بغية اضعافه وإخراجه من المشهد حيث دأبت أطراف وشخصيات على تخوين الإشتراكي واتهامه بالتخلي عن القضية الجنوبيه والنظر اليه بارتياب . ومحاولة هز مكانته لدى الشارع جنوبا

و كان الإصلاح في عدن وغيرها من المحافظات الجنوبية جزءا من المشهد النضالي العام وقد توج هذا الحضور بالأستاذ وحيد على رشيد محافظا لعدن في مرحلة خطرة وبالغة التعقيد وقد اتسمت ادارته بالفعالية والنشاط والإستقرار والعمل مع الجميع رغم كل التحديات والصعوبات

وأخلص الى أن الاصلاح لم يكن الحلقة الأضعف ولا الطارئ الدخيل ولا الهامشي سهل التغييب والقابل للشطب والإلغاء .

كان موجودا واستمر طويلا متماسكا مغالبا العداوات والخصومات والحملات معتمدا استراتيجية الإلتحام اكثر بالشارع الجنوبي وتبني خيارات دفاعية احتمائية اتسمت في أحايين بالتماهي التام مع المزاج العام للشارع الجنوبي الآخذ في الإحتقان والتجاوب الحذر احيانا مع اعتمالاته والتوقف عند التخوم ازاء بعض 

الإشكالات الجوهرية والمشاركة في الفعاليات احيانا بحس الخائف من النبذ والمحاذر للتقولات والتخرصات والحريص على درء إي شبهة أو مظنة إتهام لا بروح الشريك المكافيء المعترف به من قبل الجميع دون أدنى إنكار

كان الإصلاح فى الجنوب يستبطن في حركته وادائه تواريخا من الصراع والحزازات والمكبوتات الثأرية لدى شركاء مازالوا يعدونه الخصم و العدو المؤجل و رغم ما هو عليه من صدق الحال والمقال بدت قيادات حراكية عديدة ممن تصدرت المشهد غير مستعدة لتصديقه وتقبله وما زالت تتهم نواياه ومواقفه وحضوره المدني الواضح وخطابه العام المتسق وتعمل على دفعه بعيدا حد التعامل معه كدخيل بل كعدو على الدوام

بدت معاداة الإصلاح مبررا وجوديا لأولئك الذين راحوا يوقظون الحنين الشعبي للفردوس المضاع و يستدعون حرب ٩٤ بغل راسخ أصاب الإصلاح منه اكثر مما اصاب صالح

استمر الإصلاح مغلولا مسكونا بعقدة الذنب وثقل الخطيئة الملتصقة به دون فكاك او أمل بالغفران

لم يستطع ضمن الجو المحموم تحرير نفسه وقراره وحركته من أشراك الشركاء الأعداء وظل برسم وجوده وفق مخططات الآخرين وخياراتهم . يسير بقوة التيار منجرفا مؤثرا السلامة في الإنضمام للتيار العام رغم اندفاعات البعض ربما في اتجاهات خطرة خاطئة لا تخدم القضية الجنوبية ولا اليمن ابتداء مع ما قد يستتبع ذلك من تنازلات على صعيد القرار والموقف الوطني العام من قضايا مصيرية لا تقبل التهاون ربما

لا أدري الى اي مدى توفرت للإصلاح في الجنوب وبخاصةفي عدن فرص للفعل والحضور العصي على الاقتلاع والمجاوز حالةالخصاء المفروضة عليه او قل لتحسين شروط بقائه وفرض نفسه كفصيل جنوبي يصعب استبعاده واضطهاده وهو على ذاك القدر من الجنوبيةالصريحة المتحققة المعبر عنها على نحو واضح وكاف لدرء كل الشبهات والأراجيف والإدعاءات التى مافتئت تلاحقه بفجاجة واندفاع جنوني مسف .؟

هذا سؤال سبق أن وجهته لبعض من اخوتنا في قيادة اصلاح عدن قبل أكثر من عامين على ما أذكرحين لاح المآل : آستبعادا كاملا من المعادلة . سؤال الأمس هذا للأسف. يبحث اليوم عن الإصلاح في عدن اكثر مما يبحث .عن إجابة .

يقيني أن الإصلاح في عدن لم يفكر بأن يعدد خياراته ولم ينظر الى ماهو أبعد من رهاباته المقلقة والمؤرقة كان في وسعه ربما التفكير على نحو مختلف ووالتوصل الى بناء معادلة متوازنة تضمن بقاء الجميع شركاء في جنوب محرريسع كل ابنائه ربما كان بمقدور اصلاح عدن عدم تبني خيارات انسحابية متواصله في مجابهة التحديات التى فرضتها الأحداث المتلاحقة منذ اجتياح الحوثة وقوات صالح مدائن الجنوب،

سأعتبر المقاومة ضمن تلك الفرص المضيعة من قبل الإصلاح في عدن ودعوني اركز هنا على عدن باعتبارها المركز في هذا المسار . فقد كان دوره اكبر من أن يغيب أو يشوش عليه . تضحياته وبطولات كوادره ومنتسبيه وتقدمهم الجبهات وقيادتهم المقاومة

شهداءه وجرحاه . صموده واستبساله في الدفاع عن المدينة طوال فترة الحصار وحتى التحرير . ثم ماذا حدث ؟ ماذا جرى كي يخرج منكرا ملاحقا تحيط به التهم . مدفوعا خارج مدائنه التى دافع عنها يطارده الأوباش والسفلة وهو بلا حراك مستسلم لهذا المصير المأساوي الحزين والذي لا يليق بفارس فرغ للتو من تطهير ارجائه وطرد الغزاة عن مدينته واغفى على قمم من زهو تتماوج داخله بحار من أحلام وآمال

كيف يخرج الباسل القوي الى كل هذا الضعف ؟ .

لمن أخلى مواقعه ؟ لمن سلم قدره ، ومصيره؟ لمن تنازل عن انتصاره ؟ لمن ترك مدينته المحررة ؟ لمن سلم قبل الآوان ؟ لمن تنازل عن تضحياته ؟ وكيف تحمل العيش تحت وطأة شعوره بخذلان محيطه وخذلانه لذاته وقضيته وكيف غادر موقعه مسكونا بعتب الشهداء ووجع الجرحى المكدودين ؟؟

لقد جرى في عدن تسليم السلاح والإنسحاب والتخلي عن مواقع سيطرته

فهل أمن ذلك الإصلاح في عدن ؟ وهل ضمن بقائه كحزب سياسي و شريك وطن ؟ و هل وفرت له فرص القبول به كرفيق سلاح ومقاومة مقدر ومعترف به له دوره وقدراته وحضوره الوازن ؟ الثابت أن كل هذه الانسحابات والتنازلات لم تسلم الإصلاح من الحرب المحمومةضده ولم تمنحه بعضا من رضى او إعتراف شركائه او مناوئيه ولا جنبته السخط ولاغفرت له ذنبا ولا اقالته من إتهام ولا وسعت له مكانا ولا حفظت له مكانة

والمفارقة بعد هذا الإستبعاد كله : لم يترك الإصلاح في غيابة الجب بعيدا ولم يمنح شهادة غياب مستحقة لم يثن عليه بكلمه لما أبداه من أخلاق الفرسان وتنازل الشجعان بل بقي في متناول خصومه ومبغضيه سهل الإستدعاء والإحضار لدى كل حدث وحديث .

يستدعونه متهما بالنيابة معاقبا عن كل ما لم يقله او يفعله ، موضوعا للقدح والردح ومادة للدعاية البغيضة وهدفا للإجتثاث الممنهج

ومازال أكبر القرابين على مذبح الجنوب الذبيح والذي آل الى هذه النهايات الفاجعة . الجميع الآن في الخسران ، فما الذي يمكن أن يخسره الإصلاح اكثر اذا شرع في المراجعة والبحث عن خيارات أخرى لمواجهة الحرب المسعورة ضده ولترسيم وجود حر غير قابل للمقايضة أو التنازل ؟ لم يكسب الإصلاح شيئا مقابل كل هذه التنازلات و الخسارات لا شركاء ولا اصدقاء ولا اعتراف بأخوة الدم وولا حتى بالمواطنة اوحق الحياة لم يكسب لا الداخل ولا الخارج .

ولم يحض بدعم قيادة الشرعية ولم يكافيء بإنصافها له حتى بكلمة مستحقة ولم يظفر بسوى عيش الطريد والشريد المنذور للضغينة والتربص

لم تكن الشرعية حالة ناجزة كي يخلي مواقعه ويعلن انهاء دوره على مستوى المقاومة واستعادة الدولة وتثبيت المشروعية

وكانت الشرعية قد شرعت في اتخاذ اكثر تدابيرها سوءا ، عملت منذ البدء ضد نفسها بتصميم وإصرار . وكانت اولى مكافآت محرري الجنوب الكبار تعيين الزبيدي وشلال وبن بريك وغيرهم من الكوارث الفاضحة ولم تعترض بعد عزلهم على توظيف الإمارات لهم على رأس اكثر المشاريع تقويضا لشرعيتها ونسفا لكل ما تمثله وتعنيه . كان في وسع قيادة الشرعية ان لا تسمح بحدوث كل هذا في عدن قبل أن تسمح بالحديث عنه اليوم للبسطاء من مواطنيها المكشوفين في الشتات . كان في وسع الشرعية ان تكبح اطماع الإماراتيين وأن ترفض تحويل الجنوب الى ملاهي مفتوحة لمقامراتهم ومغامراتهم النزقة . القرارات التى اتخذتها قيادة الشرعية فيما يتعلق بالجنوب عملت عاى اضعاف القوى المناهضة للمشاريع التمزيقية الصغيرة والمطامح الاحتلالية الحقيرة كما افضت الى تضييق خيارات المقاومة دون الجميع مانحة الإماراتيين وادواتهم بذلك المجال لترسيم واقع جديد بالقوة والمال وشراء الضمائر وممارسة ابشع الجرائم وافظع الممارسات بدون رادع ودون أدنى اكتراث

لقد أراد الإصلاح في عدن أن يثبت أنه حزب سياسي انخرط في المقاومة دفاعا عن الوطن وأداء لواجب مقدس ورأى أن يكون اول من يضع السلاح بعد تحرير عدن وأول العائدين الى جبهة السياسة

رجح قادة الإصلاح في الجنوب أهمية إبداء قدر عال من المسؤلية في التعامل مع مرحلة ما بعد التحربر وخطورة مايمكن أن تخلقه الحرب من أدواء وتجنحات وتشوهات وبروز توجهات مليشاوية منفلته تندفع بإغراءات القوة الطارئة والسطوة المدججة لفرض واقع جديد بقوة العنف والفوضى والسلاح المنتشر خارج سيطرة الدولة . 

وكان التركيز على الإصلاح حالة هوسية من قبل أطراف ناقمة وصلت حد الهياج في التأليب ضده والتخويف منه والتكالب عليه كانت الإتهامات بالملشنة جاهزة وملف الإرهاب مفتوح يسع كل الإصلاحيين في الشمال والجنوب وهو ماعمل على تعزيز قناعات قيادات الإصلاح هناك بأهمية التسريع بعملية تسليم المواقع والأسلحة والإستجابة لقيادة الشرعية والعمل ضمن توجهاتها لإعادة تجميع القوة وبناء المؤسسة العسكرية من جديد وهو مالم يحصل على النحو المفترض بالطبع .

وخلاصة القول : إن اضعاف الإصلاح في الجنوب أو الشمال واستهدافه المستمر وإخراجه من المعادلة وتركه هدفا للضرب والحرب والإزاحة والإستبعاد والعمل على اسقاطه بكل الوسائل والأدوات يساوي فيما نراه وفيما يقوله الواقع وتحكيه الوقائع : إسقاط الشرعية واخراجها من كل المعادلات ، الى حيث لا يعود لها أو لنا مدخل ولا محرج .

* مقال نشره الكاتب في صفحته على فيس بوك


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك