كرامات الثورة

في 26 سبتمبر 1962، قامت ثورة اليمنيين التي أنهت الحكم الإمامي!

قبلها كان الأئمة يسخرون طاقتهم لاستعباد اليمني وتجهيله، حتى في استخدام بعض التقنيات لإيهام الشعب بكرامات البيت الحاكم، وأغرب ما تجده في كتب الرأي العام، حيلة استخدمها الإمام لإيهام الناس بخدمة الجن له، اللئيم استخدم مكبر صوت ووضعه بين أغصان شجرة مرتفعة، وفي الليل كان يتحدث، وكان الناس يستغربون من هذا الصوت.

حين تقرأ كتب الأجانب تُحرج من كمية استغفال الأئمة لأجدادنا، وتعجب من صبرهم على الكهنوت، حتى في تحاذق الإمام باستخدام التطور التكنولوجي كان جاهلًا، حين تقرأ "اليمن من الباب الخلفي" لمؤلف ألماني، ستضحك من الحمق والحيطة الغبية للإمام، كان مع الرحالة آلة مسجل عادية، وحين قبض عليه العكفة/ عساكر الإمام، ودخلوا به القصر، ظن الإمام أن المسجل أداة تجسس على رغد اليمنيين وحاكمهم السياسي المحنك، وظل الرحالة وقتًا طويلاً يشرح له عن المسجل، وسجل عليه صوته، ثم قام بتشغيل المسجل، ظل الإمام مشدوهًا لوقت طويل كيف انتقل صوته الشجي من حنجرته إلى السماعة، وظل لفترة يسجل الصوت ويعيد سماعه من الآلة المعجزة.

حتى في الجانب الضاحك للطاغية، يظهر الحزن، وفي هذا الموضع يكون الحزن على كمية الظلم الذي تعرضت له الحماقة نفسها، حتى الحماقة لم تفلت من ظلم هؤلاء!

في 21 سبتمبر 2014، تعرض اليمنيون لأسوأ النكبات في تاريخهم المعاصر، تمثلت في اقتحام الحوثيين لصنعاء، بدأت فصول جديدة: قتل ودم، جوع وتشريد، نزوح ولجوء"، وبدأت المليشيا بنشر ثقافتها المزعومة المدعمة بالتاريخ، وبدأ ترويجهم كيف كان الإمام عادلًا.

نعم نعم.. إنهم يتحدثون عن عدل الطاغية الذي قضى عليه الثوار في سبتمبر.

أرادوا الاستيلاء على رمزية سبتمبر، وأعلنوا أهدافًا لثورة السيد، ومع انكشافهم الفاضح بسواد ثوب الإمامة، لم يعلنوا معاداتهم للثورة علنًا، ثورة 26 سبتمبر، وهذا من كرامات الثورات، ومع ذلك ليس هناك أي مؤشر على عدم المعاداة للجمهورية، حتى شعلة سبتمبر أطفأوها..

يرون أن سبتمبر هو نهايتهم، في هذا الموعد تمكن اليمنيون من القضاء على الخرافة وأحقية السلالة بالحكم، ومازالوا يرون أن ثوار سبتمبر أثواراً، في آخر أيام الصحافة قبل انتفاشة الحوثي، أتذكر أننا أجرينا حواراً مع أحد القيادات المدنية للمبشرين بالحوثي، شخصية أكاديمية ومرجعية للجماعة، ومما قاله في الحوار أن ثوار سبتمبر أثوار، لم ننشرها وقتئذ حفاضًا على الذائقة الصحفية وخشية أن تقع بنا كرامة من كرامات الثورة..

الحوثية هي الإمامة بثوب مرقع، قبل أيام قرأت ملاحظة مهمة: لم يكن الأئمة يصرفون رواتب للناس وكذلك يفعل الحوثيون، لم يكن هناك موظفون غير موظفي القصر في عهد الإمام، كان الناس يدفعون الإتاوات فوق ذلك، نفس ما يحدث الآن تمامًا تحت مسميات مختلفة: خمس، مجهود حربي، زكاة، جمارك، سلبطة..

هناك ملاحظة أخرى: كان الأئمة يدفعون رواتب رمزية للعكفة فقط، مثلما يدفع الحوثيون الآن لمن يقاتل معهم، ظاهرة تستحق الدراسة.

بين 1962 و 2014، هناك تاريخ مهم: 2011، ثورة فبراير العظيم على نظام علي صالح.

مازال البعض، المتعصبين لصالح، يحملون ثورة فبراير كل ما يحدث، ونسوا لماذا خرجنا، ومن تحالف مع الحوثيين وسهل له نكبة 21 سبتمبر؟

خرج الشباب طمعًا بمستقبل جميل، بحرية يصعد عبرها من يشاء إلى كرسي الحكم، بالنزاهة، بمؤسسات بلا فساد، بعدم احتكار المناصب وتوزيعها على العوائل..

تحميل الآخرين تبعات ما يجري، هو تبرير نفسي للمهزوم، لا يعالج أسباب الهزيمة فيذهب ليفتش عن عثرات المنتصر، في كتابه "الثقافة والثورة في اليمن" وفي الصفحات الأولى تنبه البردوني لذلك "متتبع مثافقة الطلائع اليمنية السياسية من أول هذا القرن إلى منتصفه، يلاحظ اقتران مسألتين كانت كل واحدة منهما سببية الأخرى، من مطلع هذا القرن اقترنت مسألة رحيل الأتراك بالبديل عنهم" "وبعد رحيل الأتراك في آخر العقد الثاني من القرن العشرين، انتشر التمرد واختل الأمن بسبب رحيل الحكم الأول وعدم استكمال التالي أسباب قوته فكان يرى المهادنون أن اختلال الأمن بسبب خروج الأتراك".

وعلى هذا المنوال يكون التبرير عند كل عملية تغيير:

عقب ثورة سبتمبر، المهادنون وأنصار الإمام كانوا يحملون الثوار تبعات ما يحدث، ما يحدث عقاب من الله لخروجكم على ولي الأمر، وقتل الحاكم الطاعن في السن..

عقب ثورة فبراير، المهادنون وأنصار صالح، يحملون الثوار تبعات ما يحدث، عقاب من الله..

فبراير لم تقتل صالح.. قتله الحوثيون، قبل أن يستكمل حكم الثورة قوته..


* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك