الذكرى الخامسة لنكبة 21 سبتمبر

مرت خمسة أعوام مذ حلّت النكبة التأريخية الكبرى بنا.. في مثل هذه الليلة بالتحديد كانت الحشود الحوثية المسلحة تتدفق من الجبال وتعبث بعاصمة اليمنيين "صنعاء"، في مثل هذا التأريخ سالت قرى صعدة وغمرت عاصمة البلاد بوباء الإمامة.

حشدت العصابات الحوثية مقاتليها على أسوار صنعاء ودخلوها فاتحين في يومين. تواطأ معهم الجميع؛ فأسقطوا المدينة بلا قتال. كانت لحظات من الغفلة التأريخية القاسية، تهاوت فيها عاصمة البلاد بسهولة تحت أقدام شلة من المردة والجميع يشاهد المسخرة بصمت قاتل.

ما كان هناك من معركة حقيقية قط. آلاف من الآلات البشرية العمياء مدججين بمختلف أنواع الأسلحة، يقودهم رجل دين، يقتحمون أكبر المدن اليمنية، ويسقطونها خلال 48 ساعة.

سقطت صنعاء وفي داخلها قرابة 30 ألف جندي وضابط، ظلوا يتفرجون كالأرامل، التزموا الحياد، وتركوا عاصمة بلدهم مفتوحة للعار، كان ذلك هو الجيش الذي بناه صالح طيلة ثلاثة عقود من قوت اليمنيين وأموالهم وتلاشى في دقائق، يجب ألا ننسى هذا، بل علينا أن نعيد التذكير به باستمرار ؛ كي نستوعب حجم الكوارث التي تحل بالشعوب حين تسمح بتأسيس جيوش بتلك الصورة المتفسخة.

سقطت صنعاء، وكان الجميع متواطئًا على سقوطها، الجميع بلا استثناء وبنسب متفاوته، بصرف النظر عن التعقيدات وتشابك خيوط المؤامرة.

وبعيدا عن رخاوة القيادة السياسية في تلك اللحظات وتفريطها بمسؤوليتها وسماحها للكارثة بالحلول، فجميعهم يتحملون المسؤولية بالطبع.

إلا أن أكثر الشخصيات التي يرد ذكرها ملازمًا لذكرى النكبة، وسيدونها التأريخ اليمني كأحد أبرز النقاط السوداء في تأريخه، هو وزير دفاع البلاد، هذا الجنرال الفاقد للشرف كان بمثابة سمسار في داخل الجيش يعمل لصالح الإماميين وليس قائدًا، مسؤول عن حماية المدن، بل لم يكتف الرجل بدوره الرخيص هذا، وذهب أبعد من ذلك فقد كان يتردد، بحسب شهادات كثيرة، على قيادة العمليات ويأمرهم بالتزام الهدوء كي تمر المهزلة دونما عوائق أكبر.

في مقابل هذا التواطؤ الجماعي الفاضح، كان هناك عدد قليل من الجنود المهزومين، ومعهم قائدهم، لقد شذوا عن القاعدة، وقرروا المواجهة، قاتلوا وظهورهم مكشوفة؛ فسقطوا سريعًا ومرت العربات على جثثهم بسلام. في تلك اللحظة التأريخية الماجنة، انتهى كل شيء وصارت صنعاء لقمة سائغة في أفواه سيد الكهف ودراويشه القتلة القادمين من الجبال.

دار الزمان دورته، ولسعت نار العصابات كل من تواطأ معها، استدارت الأيام وأصاب الخازوق كل من شارك في المسخرة، لقد وزع التأريخ عدالته بالتساوي، واستفاق اليمنيون على بلد تجرفه العصابات خارج التأريخ، قاوم الشعب على طريقته وفر السياسيون خارج البلاد، وحتى الآن ما زال ثمة شعب يتوزع في الجبال والصحاري والسهول يزحف لاستعادة دولته الضائعة وحقه المهدور، وفي المنفى يتسكع السياسيون الذين خذلوه، يتسكعون وينتظرون اللحظة التي ينقذهم فيها الشعب ويعيدهم ليحكموه مرة ثانية.

خمسة أعوام عاش فيها اليمني أكبر أخدود من العذاب والمرارة في تأريخه المعاصر كله، خمسة أعوام مذ أسقط الإماميون الجدد عاصمة الجمهورية اليمنية وها هم يحتفلون اليوم ويعتبرون ما حدث نصرا تأريخيًا لليمنيين.

مهما تكن مآسي اليمنيين ومشاكلهم معقدة، تظل هذه الجماعة هي أكبر مهدد وجودي يسمم حياة اليمنيين ويعيق أي إمكانية لتجاوز واقعهم واللحاق بالعالم، فلن يقوم لليمنيين مستقبل ولن تحدث لهم انفراجة قط ما لم يضعوا حداً لها ويستعيدوا حياتهم من قبضتها.

خمسة أعوام شاهدة على أكبر مأساة صنعها المسخ عبدالملك الحوثي وحليفه الهالك صالح. زمن طويل، انتهى فيه الأخير كجثة على أيدي الأول، وفي الغد القريب، لن يكون مصير شريكه الباقي بأحسن حالًا فتلك حتمية التأريخ ووعد العدالة التي لا تخيب.

* المقال خاص ب"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك