خرج من سجون الحوثيين مشلولاً وتصر الحكومة على قتله بالإهمال.. من ينقذ "الشنفي"؟

خرج من سجون الحوثيين مشلولاً وتصر الحكومة على قتله بالإهمال.. من ينقذ "الشنفي"؟ المختطف المحرر من سجون الحوثيين عبدالله الشنفي في حالة صحية متدهورة

بعد نحو اسبوعين من الإفراج عنه في صفقة تبادل للأسرى بين المقاومة الشعبية في محافظة حجة ومليشيات الحوثيين، دخل عبدالله الشنفي، في حالة غيبوبة دماغية، مساء أمس الثلاثاء، وفق ما أفاد شقيقه طاهر لـ"المصدر أونلاين".

وصل المختطف الشنفي إلى مأرب مشلولاً لا يستطيع الحركة ولا الإشارة ولا الكلام، فقط عيناه المغرقتين بالدموع هي لغة التواصل الوحيدة التي يحاول من خلالها أن يعبر عن فرحه برؤية وجه مألوف، أو خوفه من اصوات الألم والوجع التي تحيط به في قسم الطوارئ بمستشفى مأرب العام عند دخوله اليه.

بداية المعاناة

في ليلة العشرين من نوفمبر 2017، حاصر مسلحو الحوثيين فندقاً شرق مدينة ذمار، قبل اقتحامه ثم اختطفوا المواطن عبدالله أحمد أحمد الشنفي (43 عاماً) بينما كان مع زوجته وأولاده (2بنات - و3ذكور) أكبرهم عند الاختطاف 14 عاماً وأصغرهم (4) شهور، في طريقهم للسفر إلى محافظة مأرب بغرض الحصول على فرصة للعمل بعد تقطع أسباب الرزق في منطقته بمديرية كشر بمحافظة حجة.

بعد شهر من حادثة الاختطاف، نقل عبدالله من مكان سري في صنعاء إلى سجن الأمن السياسي بمدينة حجة مركز المحافظة التي تحمل الاسم ذاته، وكان قد عانى الكثير من التعذيب والضرب كغيره من المختطفين لدى مليشيات الحوثيين، لكنه وفق شهادة أحد المختطفين الذين تحدثوا لـ"المصدر أونلاين" كان في صحة جيدة وبكامل قواه.

ظل الشنفي محتجزاً ومتنقلاً بين سجني الأمن السياسي والنصيرية (السجن المركزي) بمدينة حجة، طيلة عام كامل، وكان على تواصل مع عائلته في فترات مختلفة.

يقول شقيقة الأصغر محمد، ان أحد معارفهم في سجن حجة، اتصل لهم في منتصف عام 2018 في الساعة التاسعة فجراً، وأخبرهم أن أخاهم سيتم نقله إلى صنعاء وسمح لعائلته بالكلام معه عبر الهاتف، وعلموا في الاتصال أن هناك صفقة تبادل للأسرى يجري الترتيب لها وسيتم الإفراج عن عبدالله.

في شهر يوليو تقريباً، تم تبادل أسرى بين الحوثيين والجهات الحكومية في مأرب عبر وسيط محلي من محافظة عمران، لكن عبدالله الشنفي ومختطف آخر مقرب من أحد المسؤولين في الحكومة تم استثناؤهم من الصفقة إثر رفض الحوثيين الافراج عنهم مقابل اثنين من مسلحيهم فقط.

وتم إخفاء عبدالله الشنفي في سجون سرية متعددة في صنعاء طيلة عام كامل، تمكنت عائلته في فترات قليلة من الحصول على معلومات عنه وكان في صحة جيدة حتى منتصف العام 2019 حيث انقطعت معلومات تواجده، ووفق مصدر حقوقي في صنعاء، نقل عبدالله خلال ذلك التاريخ إلى سجن الأمن السياسي في صنعاء، وهو السجن سيئ الصيت كما تكرست صورته في التقارير الدولية.

بداية يوليو 2019م، تلقت أسرته اتصالاً هاتفياً من مختطف آخر من أبناء محافظة حجة، وفق شقيقه محمد، حيث تم إبلاغهم بأن أخاه عبدالله أصيب بجلطة ونقل على إثرها إلى المستشفى.

وفق محمد الشنفي، كان الاتصال في الخامس من يوليو، وقامت أسرته في ذلك التاريخ بتحويل مبالغ مالية نزولاً عند طلب المتصلين بغرض علاج شقيقه.

ومرت ثلاثة أشهر، مارست فيها المليشيات الحوثية ابتزازاً كبيراً لعائلة عبدالله وضغوطاً كبيرة عليهم، كانت تطلب منهم مبالغ مالية لعلاجه، ويمنعون أي تواصل أو كلام مع المختطف، ويتحجج الحوثيين في اتصالاتهم بأنه في العناية المركزة في مستشفى 48 بصنعاء.

أبلغوهم في إحدى الليالي أن شقيقهم حالته في تدهور مستمر، ويجب أن يبحثوا عن حل  بترتيب صفقة تبادل أسرى يطلق بموجبها أحد الأسرى الحوثيين من عائلة الشرفي، مقابل الافراج عن اخيهم المحتجز في العناية المركزة.

فشلت كل الجهود في ذلك الحين، قبل أن تثمر جهود محلية أواخر سبتمبر في التوصل إلى صفقة تبادل بين الحوثيين والمقاومة بمحافظة حجة. وفي اللحظات الأخيرة، عرقل الحوثيون الصفقة، ورفضوا اطلاق سراح المختطف المشلول الشنفي، بحجة أن حالته الصحية لا تسمح بنقله من المستشفى ويستدعي نقله إلى مستشفى آخر للحصول على علاج أفضل.

وفق أحد المصادر المطلعة على صفقة التبادل، فقد أصر الوسيط المحلي (وهو شيخ قبلي لم يورد المصدر أونلاين اسمه بناءً على طلبه) على أن تشمل الصفقة الشنفي وخاطب قيادة الحوثيين: "اتقوا الله الراجل بيموت بين ايديكم أيش عاد تشتوا منه قده مشلول أطلقوا سراحه وخارجوا نفسكم من مسؤولية وفاته بين ايدكم".

وقبل أربعة ايام من التبادل، سمحت المليشيات الحوثية لشقيقة الشنفي المقيمة في صنعاء بزيارته إلى المستشفى. وفق المصدر الذي تحدث لـ"المصدر أونلاين" تم ترتيب زيارة شقيقته مع الوسيط المحلي، وعندما وصلت إليه " ٌغرقت عيون عبدالله بالدموع وكان قد عرف شقيقته وميز صوتها".

في بداية شهر أكتوبر الحالي تم نقل الشنفي عبر سيارة إسعاف إلى جبهة قانية وهناك تم استلامه من قبل عائلته، والتي اضطرت إلى توكيل أحد اقاربها في صنعاء لإكمال اجراءات خروجه من المستشفى وأجبر خلالها على توقيع إخلاء ذمة عن أي مسؤولية قانونية تدين الحوثيين أو المستشفى عن الحالة التي وصل إليها عبدالله.

رحلة معاناة أخرى

وفق التقارير الصادرة عن مستشفى 48، فإن عبدالله أصيب بجلطة حادة في الدماغ أفقدته القدرة على النطق والحركة. ويظهر في التقرير الذي اطلع "المصدر أونلاين" على صورته أنه تم إدخاله مستشفى 48 يوم 14 يوليو 2019، أي بعد 9 أيام من اتصال الحوثيين بعائلته وطلبهم للمال من أجل علاجه، ما يعني أن الحوثيين رغم إصابته بالجلطة بشكل طبيعي - كما يدعون- لم ينقلوه إلى المستشفى إلا بعد مرور 9 ايام، في حين أن حالات الجلطة والنزيف الدماغي وغيرها من الحالات يمكن علاجها بشكل أفضل حسب الزمن الذي يصل فيه المريض إلى المستشفى بعد المرض، وأفضل نتيجة للعلاج تكون للحالة التي تصل خلال الـ24 ساعة الأول منذ الإصابة بالجلطة، وفق مصدر طبي تحدث لـ"المصدر أونلاين".

تم نقل عبدالله بعد استلامه من الحوثيين إلى هيئة مستشفى مأرب العام، وأجريت له فحوصات طبية وأشعة مقطعية، ذكر تقرير المستشفى أن من أسباب النزيف في الدماغ، تعرض الشنفي لضغط توتري حاد وشديد أدى الى ارتفاع الضغط وتسبب في حدوث الجلطة ومضاعفاتها مع انحناء قوي جداً في عظمة الانف الداخلي وقد يكون بسبب حادث أو ضربة.

أشار التقرير إلى الحالة التي وصله بها المختطف، باعتبارها ميؤوس منها، ونقل الى سكن للجرحى، إذ ليس بحاجة لعملية جراحية ولا عناية مركزة، وليس هناك ما يقدم له في مستشفى مارب، فحالته تحتاج الى السفر بشكل عاجل لإنقاذه. وفق ما قاله أطباء لشقيقه.

اضطرت عائلته الأربعاء الماضي إلى نقله إلى سيئون، وهناك أجريت له فحوصات واشعة مقطعيه جديدة في عيادة المخ والاعصاب في أحد مشافي المدينة. ووفق التقرير الطبي الذي اطلع عليه "المصدر أونلاين" فإن المختطف عبدالله الشنفي، يعاني من شلل رباعي كامل من حوالي شهرين ونصف (دون تحديد المدة بشكل دقيق). وأظهرت الاشعة المقطعية وجود أذية في منطقة جذع الدماغ، (قد تكون ضربات قوية هي السبب) حيث ضغط بشكل كبير على فقرات العمود في جذع الدماع حتى تسرب الدم إلى منطقة الحبل الشوكي، حسب التقرير.

أكد التقرير الصادر من مستشفى سيئون حاجة عبدالله الشنفي إلى رعاية طبية وتمريضية دقيقة، مع إمكانية تحسن جزئي خلال الثلاثة الأشهر القادمة، ووفق أشقائه فإن المستشفى اعتذر عن العناية به، كون الإمكانات غير متاحة لمثل هذه الحالات.

أعادت سيئون لعائلة عبدالله الأمل، وعلى مدى أسبوع ظلوا يحاولون بشتى الطرق إيصال معاناة شقيقهم إلى الجهات المعنية، للحصول على منحة علاجية للخارج، وفق توصية التقرير الطبي، لكن كل الجهود فشلت فالجهات المعنية في سلطة محافظة حجة، والمتمثلة بالمحافظ ووكلاء المحافظة، لم يتفاعلوا مع حالة الشنفي، ولم تقودهم مسؤولياتهم لزيارته في مستشفى الهيئة، فيما أصبح الوصول إلى الجهات الحكومية المتواجدة في السعودية أمر صعب للغاية.

السبت الماضي، زار مراسل "المصدر أونلاين" الشنفي، كان يرقد في مستشفى الهيئة بمأرب، قال شقيقه محمد بألم وقهر إن حالتهم المادية لا تمكنهم من إنقاذ شقيقه، فيما أغلقت كل الابواب أمامهم.

أشار إلى زيارة يتيمة قام بها مسؤول في مقاومة تهامة هو نفسه رئيس حزب الإصلاح في حجة، إضافة إلى زيارة من أمهات المختطفين، فيما ظل الإعلاميون والحقوقيون يترددون عليهم، كل تلك الزيارات لم تغير الواقع المؤلم الذي يعانيه شقيقه والتي لم يحصل فيها على رعاية طبية مناسبة لحالته.

يوم الإثنين الماضي نقل عبدالله إلى قسم العمليات حيث تم تغيير ماسورة الغذاء المثبتة اسفل عنقه، ثم تم اخراجه منها بعد ساعات من المراقبة لحالته، ثم نقل الى قسم المتابعة في سكن جرحى الجيش، وأكد شقيقه طاهر في اتصال هاتفي مع محرر لـ"المصدر أونلاين" أن أخاه دخل في غيبوبة مساء اليوم الثلاثاء.

تواصل "المصدر أونلاين" مع مدير مستشفى الهيئة الدكتور محمد القباطي، للحصول على تعليق حول وضع الشنفي واسباب عدم إبقائه في المستشفى لرعاية حالته، فقال إن المستشفى يقدم الرعاية الإنسانية لكل المحتاجين لها وفقاً للإمكانات المتاحة، بغض النظر عن أي عوامل أخرى، مؤكداً أن المستشفى تعاون مع المختطف المفرج عنه بكل الوسائل المتاحة وتم تقييم حالته كما يتم التعامل مع كل المرضى، تقيم حالته وعلى ضوء التقييم يقرر أين يرقد. وفي حالة "الشنفي" هو يرقد في السكن وتحت نظر ممرضين وفي حال استدعى الوضع نقله الى المستشفى فهم سيقومون بذلك.

عبدالله الشنفي المختطف المحرر، يقترب من الموت مع كل لحظة تمر، فيما لم تحرك معاناته وحالته الإنسانية، ضمائر الكثير من مسؤولي الحكومة والجهات المعنية في محافظة حجة أو في الحكومة، كما لم يستجب مركز الملك سلمان والمنظمات الدولية للمناشدات التي وجهتها عائلته ومنظمات حقوقية.

أصبح الجميع شهوداً على حكم الإعدام الذي أصدره الحوثيون بحق الشنفي عندما عذبوه وأوصلوه إلى حالة الشلل والموت البطي قبل عدة أسابيع، ويساعمون في إعدامه مرة ثانية بالإهمال وحقه، كمواطن تعرض للإختطاف والتعذيب بسبب تهمة مساندته للحكومة الشرعية، في تلقي العلاج الذي قد ينقذ حياته ويمنح عائلته الأمل.


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك