كيف تنظر إيران إلى عملية "نبع السلام" التركية شمال سوريا؟

قبيل اندلاع العملية العسكرية، قال الرئيس الإيراني حسن روحاني إنّ على تركيا أن تتحلى بالصبر وأن تعيد النظر في خيارها العسكري، ومع أنّ روحاني كان قد أبدى تفهّماً لمخاوف تركيا الأمنية فيما يتعلق بالوضع على الحدود مع سوريا، إلاّ أنّه قال إنّ الأفضل هو الحوار، داعياً قوات الميليشيات الكردية إلى الوقوف إلى جانب قوات النظام السوري. الرئيس الإيراني اعتبر أيضاً أنّ النظرة المعتمدة –العسكرية- والاتفاقات خلف الأبواب المغلقة لا تفيد المنطقة.

كلام روحاني عن الاتفاقات خلف الأبواب يعكس تخوّفاً من إمكانية حول اتفاق تركي - روسي على ما يبدو على حساب طهران. وزير الخارجية محمد جواد ظريف كان قد دعا تركيا إلى احترام وحدة وسلامة الأراضي السورية، مقترحاً أن يقوم بالتوسط لتطبيق بروتوكول أضنة، علماً أنّ روسيا كانت قد سبقت طهران إلى طرح تطبيقه، وهو ما يشير إلى أنّ الجانب الإيراني يحاول أن يختطف ورقة لكي يبقى في اللعبة الحاصلة حالياً شمال سوريا.

وبموازاة هذه اللهجة التي تبدو متوازنة للوهلة الأولى في حديث المسؤولين الإيرانيين، حملت تصريحات المسؤولين الإيرانيين باللغة الفارسية، وكذلك رجال الدين، والسياسيين لغة عدائية تجاه تركيا وعمليتها العسكرية داخل شمال سوريا. وسائل الإعلام الإيرانية هاجمت أنقرة بشكل غير مسبوق مؤخراً بسبب العملية التي وصفت بأنّها احتلال ودعم للإرهاب.

رئيس الجمهورية التركية كان قد غمز من قناة الإيرانيين عندما قال: "هناك من يعرضون الوساطة بيننا وبين التنظيم الإرهابي، كيف أصبح هؤلاء رؤساء حكومات ودول؟ هذا ما لا يمكن فهمه". بالرغم من أنّ البعض قال إنّه يقصد بذلك الرئيس الأمريكي ترامب، إلاّ أنّ البعض الآخر أشار إلى أنّه ينطبق على الرئيس الإيراني. كلام أردوغان جاء بعد أنّ أعلن رئيس البرلمان الإيراني إلغاءه الزيارة التي كان يعتزم القيام بها إلى تركيا إثر إطلاق عملية "نبع السلام". كما جاء ذلك بالتزامن مع قيام الجيش الإيراني بمناورات عسكرية غير معلنة قرب الحدود التركية.


ردود الأفعال الإيرانية كانت تحت مجهر بعض المتابعين الأتراك، وعندما بدأ هؤلاء في إظهار التناقض بين موقف بعض المسؤولين الإيرانيين المراعي للحساسيات التركية وبين الاتجاه العام، بدأت الوجه الحقيقي للموقف الإيراني بالظهور. الموقف الإيراني ركّز على ثلاثة أمور رئيسية تتمحور حول وصف العملية بالاحتلال والعدوان الغاشم، وحول اعتبار أنّ تركيا تشنّ هجوماً ضد الأكراد وتدعم الإرهاب، وحول قلق إيران على حقوق الأكراد جراء هذه العملية الذي تفتك بالأطفال والنساء على حد قولهم والطلب من تركيا سحب قواتها على الفور من سوريا.

بعض الصحف تحدّثت عن أنّ العملية التركية هدفها إعادة إحياء داعش في سوريا، البعض الآخر وصفها بالعدوان الذي يتم ضد سوريا و"أكراد سوريا"، والبعض الآخر أشار الى أنّها تأتي للهروب من المأزق التركي الداخلي. أحد أهم العناوين التي تمّ نشرها خلال الأيام القليلة الماضية عنوان لصحيفة فرهيختكان المقربة من وزير خارجية إيران لسابق علي ولايتي والتي وضعت صورة لأردوغان والعلم التركي مع عنوان بالخط العريض على صدر صفحتها الأولى يقول "السلطنة في خدمة الإرهاب".

الخدمة الفارسية لوكالة الأناضول للأنباء كانت قد رصدت الصحافة والإعلام الإيراني لإظهار الموقف الإيراني الحقيقي من العملية، ونشرت تقريراً مفصلاً حول عمليات التضليل والتحريف والبروبغندا التي يقوم بها الإعلام في إيران فضلاً عن التهجّم الذي يتم ضد تركيا بما في ذلك من وسائل مصنّفة على أنّها تابعة للإصلاحيين أو المعتدلين داخل إيران، وبما يتناقض مع ما يقوله المسؤولون الإيرانيون عند لقائهم بنظرائهم الأتراك.


التقرير أشار إلى أنّ الإعلام في إيران المنحاز لم يستعن حتى بآراء خبراء أتراك، وتجاهل البيانات الرسمية التركية الصادرة عن المؤسسات الرسمية –كالرئاسة ووزارة الخارجية والدفاع- واستعاض عنها بموجز محرّف من إعداده يليها تحليلات ممتلئة بالبروبغندا والحقد على حد قول التقرير الذي وصف التغطية الإيرانية التي تتم باللغة الفارسية للعملية العسكرية التركية شمال شرق سوريا بغير المهنيّة، وغير الواقعية، وأنّ ذلك شمل حتى وسائل الإعلام الايرانية الناطقة بالفارسية التي تعمل خارج البلاد.

بعض النماذج للتصريحات الرسمية لرئيس الجمهورية التركية والتي تمّ نشرها في الوكالات الرسمية الإيرانية تقوم بتحوير تصريحات لأردوغان يقول فيها إنّه لن يوقف العملية العسكرية ضد التنظيمات الإرهابية –تنظيم واي بي جي-، لتصبح "أردوغان يقول إنّه لن يوقف العملية العسكرية ضد الأكراد". الأناضول باللغة الفارسية، كانت قد نشرت التقرير على وسائل التواصل الاجتماعي مع نسخة علنية إلى الصحف ووكالات الأنباء والمواقع الإيرانية الى أوردتها في تقريرها كنموذج على التلاعب بالأخبار والتحريف والتهجّم على تركيا وضمت وكالة إيرنا وإيسنا وتسنيم وعصر إيران، وأخبار تابناك، وبي بي سي فارسي وانتخاب وشرق وغيرها.

ومع أنّ الجماعات الكردية المسلحة تنشط كذلك داخل إيران في كثير من الأحيان، إلاّ أنّ ذلك لم يمنع النظام الإيراني سابقاً من التعاون مع حزب العمّال الكردستاني ضد تركيا، أو من استخدام جماعات أو أحزاب كردية ضد بعض الدول الأخرى كالعراق سابقاً أو حتى ضد الأكراد الآخرين. في عملية غصن الزيتون، قامت الميليشيات الشيعية المحسوبة على إيران بدعم ميليشيات "واي بي جي" الكردية، وقد استخدمت الأخيرة أسلحة إيرانية أدت إلى سقوط قتلى من المدنيين داخل الأراضي التركية.

خلاصة القول، إنّ الموقف الإيراني لا يمكن الوثوق به بغض النظر عمّا يقوله المسؤولون الأتراك، فقد يسمعوك قولاّ جميلاً، ويذيقونك سمّاً مريراً بعدها.




*مقال للكاتب في موقع تلفزيون سوريا


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك