العلاقات اليمنية الروسية.. 91 عاماً من الاتفاقيات والصداقة بين البلدين


تحمل الذكرى الـ91 لبدء العلاقات الدبلوماسية اليمنية الروسية، تاريخ طويل من الشراكة السياسية والعلاقات الثنائية بين البلدين اللذان يوطدا علاقتهما بشكل أوسع، كان فيها المصالح المتبادلة والاحترام هي المتحكمة بتلك العلاقة الواسعة بين صنعاء وموسكو.

الأول من نوفمبر 1928، كان وفدان من البلدين يوقعان بمدينة صنعاء على أول اتفاقية صداقة وتجارة بين الاتحاد السوفيتي والمملكة المتوكلية، وحقيقة كان الطرفان يعمّدان الصداقة القوية والثقة والتعاون الاقتصادي والمساعدة المتبادلة الأخوية بين شعبين لسنوات عديدة قادمة.

التحضير لهذه الاتفاقية الهامة جاء في ظروف دولية صعبة، وكان اليمن قد حصل على الاستقلال في عام 1918 ويبحث عن الاعتراف الدولي، فيما كانت البلدان الغربية حريصة على حفاظ نفوذها الاستعماري في الشرق الأوسط، ولم تهتم بظهور دول مستقلة ولم تكن في عجلة لإنشاء العلاقات مع اليمن. كانت روسيا فقط تبدأ بالتعامل مع اليمن.

ووفقا للمعاهدة اعترف الاتحاد السوفيتي باستقلال اليمن التي كانت أول دولة عربية تقيم علاقات سياسية مع الاتحاد السوفييتي سابقاً، ولكن للأسف لم يتم إنشاء العلاقات الدبلوماسية في هذا الوقت. تم منع هذا من قبل الدول الغربية التي ضغطت على نظام الإمام. ولذلك نصت المعاهدة على تطوير العلاقات التجارية قبل كل شيء، ووصلت الممثلية الأولى الى صنعاء في يونيو 1929 ويرأسها الدبلوماسي السوفيتي كريم حكيموف.

وفتحت الطريق لاختراق المحاصرة السياسية والدبلوماسية للبلد وثبت استقلاليته، وبدأ اليمن في استيراد منتجات سوفيتية مختلفة، بينها مواد غذائية وخشب وأقمشة واسمنت ومشتقات نفطية. وهذا كان بداية التنقل بين موانئ الحديدة والبحر الأسود الروسي.

وفي عام 1938 اقترح اليمن تمديد المعاهدة لـ 10 أعوام قادمة، لكن الحرب العالمية الثانية حالت دون ذلك.

العلاقة الفعلية بين الدولتين بدأت في عام 1955، وفي عام 1956 تم تعيين عبدالرحمن أبوطالب أول وزير مفوض غير مقيم لليمن في موسكو، وفي المقابل افتتح الاتحاد السوفييتي مفوضية له في تعز في ذات العام.

تطورت العلاقات من المجالات التجارية والاقتصادية والدبلوماسية ليدخل مجال التعاون العسكري حيز التنفيذ خلال زيارة البدر أحمد حميد الدين إلى موسكو وتم الاتفاق على استيراد اليمن صفقة من الأسلحة السوفيتية.

ذلك التعاون ما لبث أن أصبح تضامن بين البلدين خلال ثورات 26 سبتمبر في الشمال و14 أكتوبر في الجنوب.

وبعد نجاح ثورة 26 سبتمبر 1962 وتأسيسها للنظام الجمهوري في اليمن، وقف الاتحاد السوفيتي داعماً للشعب اليمني والجمهوريين ورئيس اليمن الأول عبد الله السلال، وبعد ثلاثة أيام اعترفت الحكومة السوفيتية بالدولة الجديدة في اليمن وهي الجمهورية العربية اليمنية.

كانت البلد الثاني في العالم بعد مصر التي اعترفت بالثورة اليمنية، وبعد ذلك وصل إلى صنعاء خبراء عسكريين روس وبنوا هناك المطار الأول بسرعة وساعدوا في إنشاء الجسر الجوي بين صنعاء والقاهرة، وجاء به الى اليمن قوات الرئيس المصري جمال عبدالناصر الذين نجحوا في حماية الثورة.

وبعد جلاء القوات المصرية في عام 1967 وحتى نهاية الحرب الأهلية كان الخبراء الروس رافداً قوياً لاستمرار النظام الجمهوري أمام قوات الملكيين، وبفضل هذا الدعم السياسي انتهى الحصار وتحول اليمن الى البناء بعد الحرب.

ووفق وثائق جامعية روسية فإنه جرى تخريج حوالي 50 ألف خبير يمني من ذوي التعليم العالي في مختلف الاختصاصات منذ بدء علاقات التبادل الثقافي والدراسي بين الجانبين. وبحسب آخر إحصائية فإن قرابة 300 طالب يمني يدرسون في المعاهد العالية الروسية.

وترتكز العلاقات بين الدولتين على قاعدة قانونية واسعة ممثلة بمعاهدتي الصداقة والتعاون مع جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية عام 1979، والجمهورية العربية اليمنية عام 1984، وغيرهما من الوثائق الثنائية، قبل أن يؤيد الاتحاد السوفيتي بفاعلية اتحاد النظامين الطوعي في 22 مايو 1990.

وأكد الاتحاد سريان مفعول كلتا المعاهدتين وجميع الاتفاقيات المعقودة بين الطرفين.

في 30 ديسمبر/كانون الأول عام 1991 أعلنت الجمهورية اليمنية رسمياً اعترافها بروسيا الاتحادية بصفتها الوريثة الشرعية للاتحاد السوفيتي السابق، وبضمن ذلك الاعتراف بجميع المعاهدات والاتفاقيات الدولية السارية المفعول.

وجرى ذلك اثناء الزيارة الرسمية للرئيس الراحل علي عبدالله صالح إلى موسكو.

وقع الجانبان حينها على إعلان مبادئ علاقات الصداقة والتعاون بين روسيا واليمن، واتفاقية التعاون بين الحكومتين في مجال العلوم والثقافة والتعليم والرياضة والسياحة، والاتفاقية بين الحكومتين حول تشجيع الاستثمارات وحمايتها بصورة متبادلة.

وفي 24 أكتوبر 1999 تم شطب ديون اليمن لروسيا وفقا لاتفاق بين البلدين والبالغة 6.4 مليار دولار.

وبنى الروس في اليمن شمالاً وجنوباً عدة مشاريع اقتصادية ضخمة. وبينها محطة الطاقة الحرارية ومجمع التحلية بالحسوة في عدن والميناء في الحديدة ومصنع الأسمنت في باجل وخط أنابيب النفط بطول 190 كم من حقل نفط شبوة الى ميناء بئر علي والطريق الرابط بين الحديدة وتعز.

كما تمكن علماء الجيولوجيا الروس من العثور على النفط والغاز والذهب والحديد في اليمن. وحددنا أولوية تعاوننا في مجال استخراج النفط والغاز وإنتاج البترول واستخراج المعادن وبناء محطات توليد الطاقة في عدن ومخا وقطاع الزراعة.

وكانت زيارة الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي إلى موسكو في 2 ابريل 2013، ولقائه بالرئيس فلاديمير بوتين، واحدة من محطات العلاقات البناءة والايجابية بين البلدين، وهو ما تحقق عقب تلك الزيارة التي أثمرت عن تعاون كبير بين الدولتين.

وتعهد الرئيس بوتين بتقديم مساعدات متعددة الجوانب لليمن، واقترح على الرئيس هادي تقديم مساعدات لليمن الذي تربطه علاقات صداقة طويلة الأمد مع روسيا. من جانبه أشاد الأخير بالدور الذي تلعبه روسيا في حياة اليمن المعاصرة.

وقال الرئيس الروسي إن الطرفين يسعيان إلى تعزيز التعاون في الاتجاهات ذات الاهتمام المشترك، مضيفا أن المقصود بالدرجة الأولى التعاون في المجال العسكري والتقني.

وما يزال مقر الجمعية الكائن في شارع القصر وسط العاصمة صنعاء يمارس فعالياته، آخرها كان استقبال الطلاب اليمنيين الذين وصلوا إلى روسيا في مطلع شهر أكتوبر، وتنظيم دورات لتعليم اللغة الروسية لليمنيين.

وتستمر العلاقات بين البلدين الصديقين، اذ ما تزال الحكومة الروسية تقدم الدعم الكامل للحكومة الشرعية اليمنية في مواجهة انقلاب ميليشيا الحوثيين المدعومة من إيران، باعتبارها الممثل الرسمي للشعب اليمني، كما أعلنت على لسان مسؤوليها وقنواتها الدبلوماسية.

وحالياً، تثمن الحكومة اليمنية الجهود الروسية الساعية لوقف الحرب المستمرة في اليمن منذ مطلع العام 2015، والوصول إلى سلام مستدام بين الفرقاء اليمنيين، من خلال مواقفها في الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، المرتكزة على المرجعيات الأساسية الثلاث المتمثلة في المبادرة الخليجية، ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل، وقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة وخاصة القرار رقم 2216.

فضلاً عن ذلك، ما تزال الحكومة الروسية تقدم المساعدات الإنسانية لليمنيين المتضررين بسبب الحرب وانهيار الأوضاع الاقتصادية نتيجة الحرب التي يشنها الحوثيون الانقلابيون.

وتأتي تلك المواقف تجسيداً للعلاقات بين الجانبين التي اتسمت بالشراكة الفاعلة في مختلف القضايا، والدعم المقدم من الأصدقاء الروس المتمثل بآلاف المنح للطلاب اليمنيين الذين تخرجوا من الكليات والمعاهد الروسية بشقيها المدني والعسكري.

ومنذ ذلك اليوم، عشرات المعاهدات والاتفاقيات المدنية والعسكرية رسمت تلك العلاقة الطويلة الممتدة بين البلدين الصديقين، لتدفع الحكومة اليمنية اليوم، إلى الاحتفال بالذكرى الدبلوماسية، التي وثّقت رباط الصداقة مع الحكومة الروسية والشعب الروسي.

إذاً، هناك قواسم مشتركة تجمع اليمنيين مع روسيا، فمنذ قرابة القرن من الزمن وهو عمر العلاقة القائمة بين اليمن وروسيا، فإنها تتعزز عاماً بعد آخر، وأثبتت أحداث حوالي مائة عام أن هذه العلاقة أعمق وأكبر من أية حسابات أو أطماع.


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك




صفحاتنا على الشبكات الاجتماعية