خطوات البطل

البطل الذي كان مفهوما وصريحًا في حياته، يبدو اغتياله غير مفهوم. الشجاع الذي كانت بدايته واضحة، تبدو خاتمته غامضة.

لم يسلم المعسكر حين سقطت المعسكرات، وآثر برفقة زملائه أمثال الشهيد محمد العوني، مواجهة الحوثيين، على التسليم للمليشيا.. كان شفافًا.. السير وفق القواعد العسكرية، الفصل بينها وبين العمل المدني، وإن كنا في غب الحرب: أمد يدي للجميع.. نغلق مقرات الأحزاب، ولا أحد يأتي عندنا.. ونذهب للمعركة!. قال عندما اشتد اللغب وكثرت المكايدات.

الحرب مع الشرعية، تردت في السنوات الأخيرة، افتقدت لروح البدايات، اختلط السياسي بالعسكري، وتسللت المطامع الإقليمية إلى عمق الصف المحارب.

العميد عدنان الحمادي حقنا كلنا..

العميد الحمادي، نزيه وواضح. وثقته المفرطة بالآخرين وبساطته مشكلة.. الحرب بحاجة إلى المزيد من الحيطة، عدنان يصلح قائدًا مسؤولاً في وضع غير الحرب، يصلح في دولة بلا فاسدين.

الاستعراضات الجوفاء بالقوة الباطشة ليست من طباعه، يظهر في البدلة الرياضية تارة، وبين المقاتلين كشخص عادي، بالإرادة الشعبية وبلا تكلف. بإمكانك أن تناديه: عدنان، دون نعت الفندم، طبيعي أن تفعل ذلك دون خوف، لكن الخوف قد يرعش أوصالك إن قابلت أحد قيادات الزور، وذكرت اسمه حافًا دون قول "الشيخ"، وإن كان "شيخ الفجأة" أمرداً يتسلبط على المساكين، فمواكب المستعرضين تعتاش على الجمالات..

نحن أيضًا، نجد فسحة لنقد الرجل دون خوف، بينما نخشى المصائب إن لمحنا مجرد تلميح لمساوئ المهنجمين.

ليس علينا التغاضي عن هنات الأبطال تجنبًا لردة أفعال البعض عند موته.. أعتقد أن الحمادي يؤمن بهذا المبدأ، وقبله الأبطال أمثال القشيبي والشدادي، علينا فقط أن نكون منصفين، في وقت لا نصفة فيه، ولا يتحلى بميزات العدالة والإنصاف إلا من كان بطلًا.. إلا من كان قريبًا من الناس.

للبطل هيبته ومآثره، علينا تبجيلها، علينا احترام مشاعر أسرته على الأقل، بدلًا من تشتيت المشاعر الأسيفة بين الحزن وتبادل التهم، دم البطل مازال طريًا وموقعه البطولي مازال شاغرًا، ونحن كمن يملأ محبرته من الدم المراق، لتأويل الضحية كما تشتهيه الأهواء وتمليه الخصومات.

البطل لن يعود. وتلك خطواته لمن أراد أن يقتفيها.. وهذه آثار نضاله لمن أراد كسب محبة الناس.

هل تفهم قيادات تعز، وتتعلم من الحمادي؟ كانت التعبئة على أشدها، اللواء بين الهمز واللمز، يسكت القائد تارة، يدافع تارة، وفي كل مرة يكون التراشق بين جانبين يضجان في الواقع الافتراضي، ويرزحان تحت الحصار في واقع الواقع ورغم كل ذلك، عم الحزن جميع تعز.. الحزن وحد الصف.. من صدقوا ومن كذبوا، من هجموا ومن دافعوا.

الحمادي يتلقى دعماً من خارج الشرعية، يقولون دون إثبات. لكن لا أحد يقول إن الحمادي لم يقطع مصروفات أفراده يوماً، أو يأكل المعاشات، أو يتواضع للناس، ويعدد أعماله المثبتة.

"اخرجوا قولوا للناس ما فعلناه لكي لا يقولوا أننا استلمنا" يقولون إن أحد الذين كانوا معه في الانطلاقة الأولى، عندما وقف شامخًا داخل معسكره، لمواجهة الحوثيين، لتتكالب قوة المليشيا من كل حدب وتقتحم المعسكر، ليدفع به الأفراد من على السور.

يخشى الحنث بالقسم العسكري.. اغتيال ثقة المدنيين بتدنيس شرف البزة وتمزيق الطير الجمهوري في أوحال الذل والمهانة.

كسر في الضلع.. سيجبر في التباب والوهاد.. سيتحول إلى جرح: إصابة في مواجهة المليشيا.. "إذا سمعتم خبر استشهادي يوماً فلا تصدقوه" تنقل إحداهن عن ابنته، البطل يروض أسرته على الثبات عند سماع الأخبار الفاجعة. 


وبما أننا خبرنا الحرب، وجربنا أحزان الرحيل لأقاربنا وأصحابنا الذين هم في ميدان المعركة، وحتى المدنيين الأبرياء، فإن الأبطال يحملون الأرواح على الأكف.. البقاء حياة مؤقتة.. البقاء أمنية، والرحيل وجع لا يرحم الأحياء، قد يريح الأبطال المتعبين في دروب السهوب ومنزلقات الوهاد وهم يذودون عنا، عن وطن نعيش عليه وبه وفيه.

* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


كلمات مفتاحية

#تعز #عدنان الحمادي

شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك




صفحاتنا على الشبكات الاجتماعية