عن الخلافة والإمامة ..!

في سياق زوبعة طريفة،وجه لي أحد الأصدقاء الناشطين سؤالا في إشارة Tag: ما رايك يا "أستاذ"علي في الإمامة؟! وتساءلت: وهل مثلك يسألني مثل هذا السؤال؟! ومبعث تساؤلي، هو غرابة السؤال،وربما توقيته في سياق زوبعة خفيفة، وتقديري أيضا أن السائل ممن يتابع ما أقول وأكتب، منذ سنين،فهو صديقي على الفيس!

فقال بعد أخذ ورد مقتضب : لقد مسحت السؤال، واعتذر عن توجيه هذا السؤال الذي فُهم بشكل خاطئ ! لم اطلب منه مسح أي شيء في الحقيقة، وفعل ذلك من تلقاء نفسه تأدبا.. ويقدر الأدب لأهله في زمن تضاءل فيه الأدب، وصارت الوقاحة طريقة حياة،والخفة أسلوب معيشة عند البعض.

مع إرهاصات الجماعة الحوثية وتبنيها ضمنا وصراحة مشروع الإمامة وغاياتها، وما يترتب على ذلك من أخطار جسيمة على اليمن، كتبت منذ سنين عن دعاوى الإمامة والخلافة، وما تستندان إليه من مزاعم، وأكدت أن ادعاءات حصرها في عائلة أو عشيرة، لا تصح عقلا ولا عدلا، ولا يمكن أن تكون الفكرة قد وردت عن النبي الكريم أصلاً، وقلت منذ زمن، إنه لو قدر للنبي صلى الله عليه وسلم،أن يتحدث عن الحكم والخلافة فإنه سيقول إن حق صهيب الرومي فيها، مثل حق علي بن أبي طالب وبلال الحبشي وعمر بن الخطاب وسعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وغيرهم، بلا تحيز أو تمييز من أي نوع..وهل يعقل أن يميز النبي، صلي الله عليه وسلم، أو ينحاز إلى عائلة أو قبيلة ؟ بل إنه لو قدر له الحديث حول الأمر، فقد يستشرف المستقبل ويقول : لا يُشترَط أن يكون مسلما من يُنتخَب لرئاسة دولة متعددة الأعراق والأديان،في زمن الجينوم والذكاء الإصطناعي والإنتخابات، ولو كان المسلمون في تلك الدولة أغلبية.. وحدث في الهند ذات الأغلبية الهندوسية أن رأس المسلم أبو الكلام تلك الدولة الضخمة، ورأس حكومتها الدكتور سينغ، وهو من أقلية السيخ، ويتطلع الآن أحد الساسة السيخ لرئاسة حكومة كندامن خلال حزبه الذي قد يفوز لاحقا في الإنتخابات، كما أن برني ساندرز،اليهودي،ينافس للمرة الثانية، لرئاسة أمريكا ذات الأغلبية المسيحية، ويؤيده الكثير من المسلمين هناك، وهو أقرب من كثيرين لتأييد حقوق الشعب الفلسطيني،وكثيرا ما ندد بتطرف سياسة إسرائيل ..!

عندما فاز أوباما برئاسة أمريكا للمرة الثانية،قلت إن الديمقراطية الأمريكية قد تأتي في العقود القادمة برئيس من الأقلية اليهودية أو المسلمة.

سيبقى التعصب والعنصرية، وحتى تأثيرالخرافة، يلازم بعض البشر،بدرجة أو بأخرى،لأن دماغ الإنسان تضاعف ثلاث مرات فقط في الخمسة ملايين عام الأخيرة، وقد تحدث تراجعات تسفر أحيانا عن نكوص يؤدي إلى انتخاب انعزاليين ومتعصبين في دول متقدمة، مثل ترامب في أمريكا وجونسون في بريطانيا، لكن من الواضح أن المسيرة الإنسانية، خلافا للمسيرة القرآنية المزعومة، تتجه بصفة عامة نحو التسامح والعدل وإبعاد السياسة والحكم عن الخرافة والقداسة، بشكل مطلق ونهائي، بحيث يختار الناس، الأنسب لإدارة شؤونهم لوقت محدد، ثم يذهب ليعود مواطنا عاديا أو مواطنة عادية.. وعلى الرغم من أننا نعيش في نفس القرية الكونية مع الآخرين، فإن منطقتنا، أو أكثرها، قد لا تنعم بمثل تلك الحقوق بشكل كامل،إلا متأخرا للأسف، لأن الماضي وأشكال التخلف وضعف المعرفة، ما تزال تؤثر عندنا كثيرا، لكن أمورا من قبيل الإمامة وما يشبهها من الحكومات الدينية،لن تعود بأي حال وتحت أي ظرف، وستجهض الشعوب، ولو تكلفت كثيرا، أي محاولات غبية من هذا القبيل.

ولسنا هنا بمعرض التنديد بتاريخ العرب والمسلمين وماضيهم، ففيه الكثير مما يعتد به،مقارنة بسواه من التجارب البشرية، ويكفيه التبخيس والظلم والتهميش الذي يتعرض له من خصومه التاريخيين، لكن لا بد أن يسلِّم الجميع أن الإمامة والخلافة وما اكتنفهما من أدبيات وجدل وصراع ، كل ذلك من التاريخ، أما الحاضر والمستقبل فهو يتطلب عقدا اجتماعيا جديدا، يستند إلى حقوق وواجبات المواطنة وحدها، وإلى اختيارات المواطنين دون إكراه.. ولعل ذلك أصبح بديهيا تماما،لكن إبتلاءاتنا بأمثال الحوثي وداعش حتمت الخوض من جديد في قضية يفترض أنها تاريخ وماضي.

وفي حالة اليمن، لو أن الحوثي أتى البيوت من أبوابها، فلن تكون هناك مشكلة، لكنه آثر وما يزال، فرض نفسه بالعنف والدجل والخرافة، وقَدَر اليمنيين في هذه الحالة، الرفض والمقاومة حتى يستقيم الأمر..

*من صفحة الكاتب على فيس بوك


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك