عن الثورة وخصومها الجدد والثوار المنفعلين

11 فبراير هنا، يقدم علينا للمرة التاسعة منذ ذلك القدوم الذي اندفعت بعده حياتنا داخل دوامة مجنونة لا نزال ندور معها إلى الآن، ما يجعلنا نشعر بالعجز عن اتخاذ وضعية متماسكة تتيح لنا رؤية أفضل وفهما أشمل لكل ما يحضر خلف رمزية هذا اليوم الإستثنائي، ثم تحرير الحدث الكبير من سجوننا العاطفية ليأخذ مكانه المستحق في التاريخ.

من الواضح، بعد تسع سنين، أن الإنفعال لا يزال يحكم كثيراً من الجدل حول 11 فبراير، كما كان الحال من قبل مع كل ما تثيره هذه الذكرى من مداولات وسجالات وأحكام لا تنتهي إلى تقدم ملموس في فهم ما حدث.

من جهتنا، نحن الذين نعظم هذا اليوم، يتجلى الإنفعال عند تناولنا لهذا الحدث الكبير في الحاجة الطاغية لتبرير الثورة على نظام صالح، واستهلاك الكثير من الجهد في تبرئة الثورة من كل هذا التردي الذي أمسك بتلابيب حياتنا منذ ذلك الحين؛ ومع أنه يفترض أن نكون قد تجاوزنا هذه الحاجة بعد ما مر من زمن وأحداث، إلا أن دخول أفراد جدد كل عام في دائرة السخط على الثورة يحشر أنصار فبراير في موقف دفاعي غير منتج ويدفع كثيراً منهم إلى حالة من التصلب في انتمائه للثورة تفقد معها الثورة ميزتها كتمرد اجتماعي وسياسي كاسر للقوالب الجامدة لتتحول نفسها إلى قالب إضافي.

ليس سهلاً مراقبة الثورة التي مثلت أهم وأشجع المحاولات الوطنية لتصحيح وضع اليمنيين وحل مشاكلهم يجري تحميلها وزر كل هذا الخراب الماثل أمام أعيننا، ومن الصعب على من يحمل ذاكرة مسكونة بمشاهد نادرة في روعتها ليمنيين متفائلين خرجوا إلى الشارع وحاولوا أن يخلقوا معنى جديداً لوجود بلادهم في هذا العالم ولنظامهم السياسي ولحياتهم كأفراد، ونالهم الكثير من الموت والكثير من العناء والكثير من التشويه في سبيل ذلك، أن يتسامح مع أي محاولة لتزييف كل هذا الإرث النبيل وإعادة تصوير هؤلاء الناس على أنهم مجرد مجاميع ناقمة على نظام قائم وأدوات صماء في يد شخصيات سلطوية طامحة فشلت في أداء وظيفتها وجلبت الويل على بقية اليمنيين.

هناك الكثير من التجني على الثورة من قبل خصومها، ولكنه يبدو قابلاً للتجاهل باعتبار تقادمه وتعبيره عن مصالح أنانية حطمتها الثورة، وإن كان غير قابل للغفران، لكن الذي يصعب تجاهله هو هذا الإستسلام الذهني المستفحل لإدانة الثورة، الذي يبديه أفراد من خارج دائرة الخصومة التقليدية لها.

لا أعرف تسمية محددة يمكن أن أضع تحتها هؤلاء الساخطين الحديثين على 11 فبراير، لكن يمكنني وصفهم على أنهم أولئك الأفراد الذين تفهموا الثورة حين قامت وأظهروا تسليما واضحا بحقيقة فساد نظام صالح وضرورة تغييره ، لكنْ نقَصَهم الحماس الكافي للمساهمة الشخصية في الثورة وتمثيلها في الفعل وفي الجدل.

فيما يتعلق بموقفهم من نظام صالح ، فإن ركيزة اعتراضهم عليه تتلخص في التردي الحاصل في الوضع المعيشي ومتعلقاته بشكل عام، أما اهتمامهم بالثورة فإنه يقتصر على خطابها الإصلاحي في الجانب نفسه، في حين لا يحفلون كثيرا بالحضور الأساسي للمفاهيم المجردة مثل الحرية والكرامة والديمقراطية وغيرها.

يتمتعون غالبا بثقة أكبر في إبداء إدانتهم لفبراير، لأنهم يشعرون أن حُكْمهم الجديد صادر عن تجربة وليس عن تعصب كما هو حال الخصوم التقليديين للثورة.
سأكتفي من محاولة وصفهم بهذا القدر، وأنتقل للتفتيش عما قد يكون دافعا أساسيا في وصولهم إلى هذا الموقف.

أعتقد أن الذين سخطوا على الثورة متأخرين وصلوا إلى هذا الشعور بالدرجة الأولى بفعل المقارنة المستمرة بين ظروف حياة اليمنيين قبل الثورة وبعدها.

لدى أنصار صالح شيئ وحيد يقدمونه حين يدخلون في جدل ما، وهو هذه المقارنة الغبية والسطحية والظالمة أيضاً بين الأوضاع المعيشية في عهد زعيمهم والعهد الذي أعقب الثورة عليه.

هذه المقارنة، بالطريقة التي يؤديها بها أنصار صالح، تكشف قدراً بسيطاً جداً من الحقيقة لكي تحجب خلفها القدر الأكبر.

يسعون للحصول على اعتراف بحقيقة بسيطة، هي أن الحياة كانت أيسر قبل أن يشرع الناس في محاولة تغيير النظام، ثم ينتهي كل شيء هنا فيظهر صالح ضحية والثوار متآمرون والثورة خدعة كبرى.

ما قبل 11 فبراير هو استقرار وأمن ودولة واحدة وأسعار مستقرة، وما بعد 11 فبراير محض اضطرابات وحروب وتمزق سياسي وغلاء متصاعد.

خلف هذه الحقيقة "البلطجية" جداً في توظيفها، نية حقيرة لقتل حقائق كثيرة، منها أن الحياة في عهد صالح لم تكن حالة واحدة متجانسة على طول خطها الزمني، بل واقع كثير التغير، ونحو الأسوأ في المجمل.

كانت ظروف الحياة المعيشية، التي تسترعي كثيراً اهتمام الساخط الجديد، في 2003 أيسر منها في 2007، وكانت في 2007 أيسر منها 2010 في العهد المحمود نفسه.

تضاعفت الأسعار أكثر من مرة في ظرف 10 سنوات، واندلعت 6 حروب في صعدة، وانتفض الشارع الجنوبي، واغتيل جار الله عمر، واستعمر الدرونز الأمريكي أجواء اليمن، وحدثت كل النذر التي تجعل الجحيم متوقعاً وسقوط نظام صالح واقعاً في العشرة أعوام القادمة دون الحاجة إلى ثورة شعبية.

ثم إن هذه المقارنة تفترض أن صالح نفض يده من كل شيء منكسر الخاطر مع أول هتاف ينادي برحيله، واستبقى لنفسه فقط عزة النفس واليقين بندم اليمنيين عليه، وتتناسى أن الثوار هجروا آخر خيامهم حين كان هو لا يزال يبني معكسراً إضافياً في سنحان، وأنه ظل حتى الأشهر القليلة قبل مقتله محتفظاً بأهم أدوات السلطة من جيش ومال ومخابرات وإعلام، ينتقم من الجميع ويطلق شروره في جميع الإتجاهات، بينما كان الثوار المتهمون بقطع خيره عن اليمن قد تقاسمتهم السجون والمنافي والعزلة الإختيارية.


* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك