الهاربون إلى الجنون

مع مرور سنوات من اندلاع الحرب الآكلة للأخضر واليابس، تمر في شارع مدينتك، التي تسكنها مع أهلك لسنوات طوال، وتمضي بخطواتك تلك التي اعتدتها في المضي قدما.. تلتفت لترى المآسي في كل مكانٍ تقف عيناك عليه.

أمامك مبانٍٍ هدمت عن بكرة أبيها، ومنها التي ما تزال تقاوم صامدة بأعمدتها المتهالكة ونوافذها المزلزلة التي وضع فيها السكان بعضاً من الخشب، وعاشوا تحت تلك الأكوام من الركام. يطل الأطفال من بعض النوافذ التي ماتزال مفتوحة، ومن خلال وجوههم الشاحبة وملابسهم الرثة وعيونهم المغرورقة بالدموع، تستطيع أن تقرأ صفحات من العناء سطروها خلال مجيئهم لاجئين إلى هذه المدينة وهذه المباني؛ فهم الذين تركوا منازلهم في مدينتهم وجاءوا لاجئين فكانوا كمن هو هارب من الموت فملاقيه! 


على يمينك في الشارع ذاته رجل يتسول باحثاً عن لقمة عيش يسد بها جوعه، والناس غير قادرين على أن يكونوا له يد العون والسند.. تراهم يتجاهلون وجوده ويتظاهرون بالصمم؛ فما في اليد حيلة كما يقال، وليس المسؤول بأغنى من السائل هذه الأيام. هناك في زاوية أخرى بائع خضروات مصابة بالاصفرار الشديد يشترط على الناس مبالغ يرونها كبيرة لعدم توفرها؛ فترى بعضاً من الناس عائدين من عنده بخفي حنين يتفحصون ما بأيديهم من أوراق نقدية وكأنهم يتلون على تلك الأوارق النقدية لعناتهم لأنها لم تعد نافعة ولا تكفي لسد الحاجات. 


تحاول أن تمضي لتهرب من هذه المآسي التي تلاحقك كالأشباح فترى أمامك ما يمكن أن يصيبك بالجنون.. إنك ترى الجنون ذاته أمام عينيك رجلاً يعبث بشعره يطوي الشارع ذهاباً وإياباً حافي القدمين، شبه عارٍ، يتكلم بما لا يُفهم، ومن منظره تعرف أنه رجل أصيب بالجنون..

تحاول أن تقترب منه فيزداد ارتباكك، فهذا الرجل تعرفه قبل الحرب كان من أنبل الناس وأكرمهم؛ بل كان شجاعاً جسوراً مقداماً لا تصفه الكلمات وحدها! فاغر الفاه تقف، تحاول أن تقترب أكثر ولم تستطع، تضرب على ناصيتك بكل أسف وحيرة! ما الذي أصابه يا ترى، أو ليس هو الشخص الذي كان الناس يشدون الرحال إليه؟ فتكتشف بعد فترة أنه من الأشخاص الذين فقدوا كل أشيائهم المادية، وفقدوا أهلهم بل حتى عقولهم فقدت بعد ذلك.. فما الداعي لبقائها بعدما راح كلُّ شيء؟!، ليس لديك الآن رغبة في أن تتقدم خطوة أو أن تتأخر، وليست الجرأة فيك حتى تقترب من هذا الشخص الذي كان صديقك يوماً ما وكنت محتكاً به أكثر الأوقات، بل كنت وما زلت مديناً له ببعض الأمور.

ليس هو وحده من أصيب بالجنون ولست قادراً اليوم على الحصر لهؤلاء الذين قد فقدوا عقولهم جراء هذه الحرب، وغير بعيد تصادف شخصاً آخر فاقداً للعقل أيضاً، ولهذا قصةٌ أخرى تعد ضرباً من المأساة أنصحك ألا تطلع عليها حتى لا تلتحق به أنت الآخر دون قصد منك، فهم كانوا مثلك تماما يحبون الحياة المليئة برجاحة العقل والمنطق ولكن الواقع من أجبرهم على الوصول إلى هذه الحال. 


في زاوية أخرى رجل يرتدي عباءة امرأة ويفترش أكياس النفايات يبحث فيها عن علب فارغة ليصنع منها عقدا جميلاً يضعه على خصره زينة كما يتصور، لهذا أيضاً حكاية أخرى لا تكاد تختلف عن حكايات زملائه هنا والبيوت اليوم يا عزيزي تكاد تكون مليئة بمثل هؤلاء؛ فالجنون اليوم لا يستأذن أحداً والحالات النفسية تزداد عرضاً وطولاً واتساعاً؛ بل إنها تنتشر في أوساط الناس كما ينتشر المرض الخبيث في الجسد الضعيف، وكما تنتشر النار في الهشيم، كيف لا وأنت ترى ما يحل في البلاد من خراب ودمار وانتهاك للحقوق، والحق يا عزيزي موجود حقا لكنه يعيش حربين حربا مع العدو وأخرى مع الصديق.

هذه بلدة تكالب عليها أهل الداخل والخارج حتى أصبحت ميدانا للصراع ومكانا خصبا لزرع المشكلات. بربك ألا يحق لهؤلاء أن يتركوا عقولهم جانبا ويتخذون الجنون بديلا عن ذلك؛ فالحرب أساسا هي ضرب من الجنون وذو العقل يشقى في النعيم بعقله.. وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم!


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك