كيف نغير الواقع الاجتماعي في اليمن؟

ما أسهل التنظير الفكري حول التغيير في المجتمع، غير أنه يتطلب طاقة جبارة ووقتاً في صناعته حين الشروع بتطبيق الفكرة على مجتمع يُعاني من التخلف الحضاري.

ولأن مساعينا للتغيير في المجتمع اليمني غالباً ما تكون في طور تأثيرات مرض المجتمع وليس في مسبباته؛ فإننا نصل إلى حلول مجتزأة تعمل على ترحيل المشاكل ولا تحدث التغيير ما جعل البلد يخوض صراعات تاريخية صرفته عن الانشغال بالتنمية وتكوين نهضة حضارية.

فما هي أصل مشكلة تخلف المجتمع في اليمن التي أعاقت عملية التغيير والذهاب نحو التنمية بعد أن كنا حضارة ضاربة في جذور التاريخ؟

البحث في المشكلة:

لا يمكن الحديث عن التغيير في اليمن ما لم نستعرض النقطة الزمنية التي انطلق منها التخلف الاجتماعي ومسبباته، لا سيما، في الفئة الاجتماعية الحيوية التي تسكن مناطق شمال اليمن.

وأول مراحل التخلف كانت عقب وصول يحيى بن الحسين الرسي "الهادي" إلى اليمن سنة 284هـ،، حيث قدم ومعه مشروع سياسي يحمل نظرية الولاية، مستغلاً حالة الصراع القبلي البيني وقابلية المجتمع هناك لسيادة المفهوم الإسلامي طبقاً لفطرته المؤمنة؛ فقدَّم الرسي نفسه إماماً حاكماً، خضعت له القبائل وخاض حروباً أخرى ضد من رفض الولاية والتسليم له.

من هذه الحقبة الزمنية بدأت فيها عملية إعطاب حركة المجتمع وتكلس فاعليته عن التوجه نحو الإعمار؛ وذلك بتقبل فكرة "الولاية".. هذه الولاية التي تعني بمفهومهم البسيط، التسليم والتأييد والطاعة والمناصرة للإمام الحاكم على أساس عنصري سلالي، والذي عَرّف الرسي نفسه أنه من هذه السلالة وتنطبق عليه الشروط ولايته. ولقد أدخل، هذا التسليم، الفرد في تلك الفئة الحيوية من المجتمع في حالة جمود فكري مزمن واستلاب هوياتي حاد.

وبمفهوم أدق، فإن الفرد، غالباً، في مناطق شمال اليمن تحول إلى جندي بلا هوية بعد تقبله بفكرة الولاية، سلبته ديناميكية إعمار الأرض ليصبح رأس حربة في معاركها الطاحنة. وهو الأمر، نفسه، الذي استغلته جماعة الحوثي، ابتداءً باجتياح مؤسس الجماعة حسين الحوثي لمجتمع قبائل "طوق صنعاء"، لإشاعة الحديث عن ولايته باعتباره قرين لـ"القرآن" ووارثه في تعليم الناس، وحتى حينما جاءت الجماعة في 2014م، لم تتمكن من إسقاط صنعاء إلا بعد أن ضمنت تحييد المجتمع القبلي عن طريقها، حينها دخلت صنعاء فرضخت بقية المحافظات.

وعلى قدر ما كسبته الجماعة من معارك في الشمال لصالحها تحت مشروع "الولاية"، النقيضة تماماً، لفكرة الدولة الحديثة؛ إلا أن هذه كانت مشكلة فرعية للمشكلة الأصل، وهي المتمثلة بقابلية تلك الفئة الحيوية من المجتمع، لفكرة الولاية في ظرف استلاب هوياتي وفراغ، وهي نفس نظرية المفكر العربي الإسلامي، مالك بن نبي، القائلة "بأن أصل مشكلة الاستعمار هي ناتجة عن قابلية العرب للاستعمار ذاته".

الانسجام مع ذهنية الاستعباد الذاتي:

وعطفاً، على نظرية مالك بن نبي الشهيرة في القابلية للاستعمار، فإننا لن نجد أي أصل لمشكلة تراجُع المجتمع اليمني عن التنمية ما لم نبحث في بنية الفرد. ذلك الفرد الذي هو أساس بناء الأسرة، والأسرة التي هي نواة بناء المجتمع، ولا تقوم دولة متماسكة إلا بأسرة متماسكة ومُكيفة لحمل مشروعها.

ولذك فإن الفرد في المناطق الشمالية في اليمن، كانت له روح القابلية في استقبال فكرة ولاية "الرسي" والخضوع لها في لحظة استلاب هوياتي أثرت على بنية الأسرة والمجتمع في الاتجاه نحو التحضُر.

وقد ظلت تلك المشكلة يعاني منها المجتمع حتى يومنا هذا وذلك يعود لعدة أسباب: 

أولاً: تحول فكرة الولاية وتقديس السلالة الهاشمية إلى مذهب ديني متمثل بالمذهب الهادوي الزيدي؛ جعلت المجتمع يتخذها عقيدة دينية لا يكتمل الإيمان إلا بها.

ثانياً: تحول المذهب الهادوي إلى مذهب بعض الدول والمماليك التي حكمت في المناطق الشمالية رسخت الولاية وسط المواطنين، مما جعل المجتمع يُكون لديه قابلية لعودة أي حركة من السلالة الهاشمية بفعل معتقده المذهبي الهادوي المتجذر، تماماً ، كما حدث في تقبل وعدم مناهضة جماعة الحوثيين بعد 42 عاماً من إسقاط نظام الإمامة في ثورة 26 سبتمبر.

ولكن، على الرغم من ذلك، لا يعني أنه لا يوجد عوامل أخرى لتخلف المجتمع، تاريخياً وحاضراً، غير فكرة الولاية وحاضنتها الزيدية في شمال البلاد، ولكن أيضاً، في استمرار إعطاب فاعلية الفرد وتحوله إلى بيدق في متناول القبلية في هذه المناطق.
هذه القبيلة، على الرغم مما لديها من جوانب إيجابية في المقاومة في الضفة الأخرى ضد الطغيان والاستبسال في مناهضته، غير أن المجتمع القبلي مرهون بيد شيخ القبيلة، فهو يلبي داعي القبيلة للقتال حين يدعو الشيخ للحرب، وينزوي للسلم حين يُعلن الشيخ السلام دون أطر موضوعية عدا كونها مصلحة يقرها زعيم القبيلة، وهذه تُعبر عن صورة مصغرة لحالة التيه والتراجع التي تعيشها البلد نتيجة لمجتمع فاقد لمعنى تواجده بالحياة.

مفاعيل التغيير


بعد استعراض أصل مشكلة تراجع المجتمع عن قيام التنمية الشاملة فإن إصلاح تلك المشكلة يعني طردياً حدوث تغيير نحو الأفضل في مجتمعنا اليمني.
وبصيغة أخرى فإن نقطة التغيير في المجتمع تبدأ من حيث الإجابة على التساؤل، كيف نعيد بناء الفرد في المناطق الشمالية وتحويله من حالة الاستلاب لـ"الولاية" الجالبة للتخلف والحروب المزمنة إلى التفاني في تحمل أعمدة الدولة الحديثة الجامعة لأطياف المجتمع؟

الخطوة الأولى: الحيـرة الفكرية

لأن نمط التغيير هنا فكرياً توعوياً؛ فمن الصعوبة الصدام المباشر مع معتقدات المجتمع وتقاليده المتراكمة منذ مئات السنين ولكن بالتدرج، وذلك من خلال أول خطوة وهي، إدخال الفرد في حالة حيـرة عبر تفكيك معتقداته المتخلفة القائمة على "الولاية" والتسليم لسلالة معينة وتشريح المفاهيم الدينية المتلبسة بالسلالة والقائمة على زعم أحقيتهم التسيد على البلاد.

 هذا التفكيك يأتي من خلال الدخول في صلب الأفكار واستجلاب تناقضاتها من المذهب نفسه تقوم به شخصيات من ذات المنطقة الجغرافية حتى تكون أكثر قرباً وتأثيراً.

الخطوة الثانية: إحياء القومية

وعند دخول الفرد في حيـرة فكرية، بعد ضربات مستمرة في عملية تفكيك المعتقدات المُتخلفة والطبقية يكون في طور تقبل الصواب والشروع في البحث عن هوية بديلة، وهنا تأتي خطوة إحياء روح القومية اليمنية، التي لا تعني التعصب لفكرة عرقية بقدر ما تحمل معاني تاريخ اليمن وحضارتها مصحوبه بروح الإسلام وقيمه العادلة.

وباستمرار تدفق روح القومية نحو المجتمع، والاعتزاز بها كتأريخ وحضارة واعتزاز ذاتي، فإنها تتجه مباشرة لقتل حالة الاستلاب الاستعبادي في ذهنية الفرد، إذ أن القومية المُكيفة بالأخلاق والقيم، تخلق كتلة شعورية لدى الفرد بالاعتزاز بتاريخ حضارة أجداده اليمنيين قبل الإسلام، وقد اكتملت تلك الحضارة بعد الإسلام لحظة إيمان اليمنيين بالرسالة والتصديق بها، فتحولت هذه القيم إلى ثقافة عابرة للحدود، وحين أمسوا رأس حربه وقادة في جيوش الفتح؛ لم تكن لحظتها الولاية حاضرة. 

وحين يتحول المجتمع الحيوي في المناطق الشمالية لهذا الشعور المرتفع من الفخر القومي المتلاحم مع روح الاسلام وقيمه؛ تكون دعوة التسليم بالولاية لشخص الحوثي أو أي سُلالي في المستقبل باعتباره ابن رسول الله كمن يحاول الترويج لنظام ثيوقراطي في مدينة جنيف أو أسواق وول استريت.

الخطوة الثالثة: تعزيز فكرة الدولة الجامعة

بعد مرحلة تعزيز روح القومية اليمنية النقيضة لمشروع الولاية، تأتي مرحلة تعزيز مفهوم الدولة، والإجابة عن أسئلة من يحق له أن يحكم؟ وما شكل الدولة ونظامها؟
وفي هذا الطور يكون المجتمع قد تشكل لديه وعي وثقافة وروح ديناميكية تحول تلك الثقافة إلى سلوك عملي يدفعه نحو التغيير الإيجابي الذي يكون بداية لصناعة دولة قويمة متماسكة شعباً وسلطة.


* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك