منفيون في اليمن

يمانيون في المنفى ومنفيون في اليمن، هكذا وصف الشاعر الراحل عبدالله البردوني أبناء اليمن بأنهم يعيشون المنفى داخل الوطن؛ ربما نتيجة للظروف الصعبة التي كان يعيشها البلد منذ وقت طويل وتضاعفت كثيرا هذه المأساة جراء ظروف الحرب المستعرة للعام السادس على التوالي.


ولقد وصل الحال بأبناء اليمن حقيقة أنهم يعيشون المنفى داخل وطنهم بل داخل منازلهم وحاراتهم التي ألفوها مذ كانوا صغارا يلعبون، ففي المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون تجد أن المواطن اليمني هناك يعيش المنفى حقيقة أو يعيش حياة هي أمر من حياة المنفى، والشيء المؤسف له حقا هو أن يسمى المواطن ابناً لهذا الوطن الذي هو فيه الآن يصارع لكي يبقى على قيد الحياة فقط.


مؤلمٌ حقاً أن تقول بذاتك أنك مواطن حقيقي من أبناء هذا البلد الحبيب وأن هذا البيت الذي أنت فيه هو لك لا يحق لأحد أن يقوم باقتلاعك منه وأن أبناءك سيدومون بقربك وهم بخير وعافية.. فلا شيء ينبغي الخوف منه فقد اجتهدت وبذلت كل الجهد كي تصل إلى ما وصلت إليه وهو امتلاكك منزلا مرموقا ووصول أبنائك بعلمهم إلى المراحل التعليمية المتقدمة فمنهم من أنهى تعليمه وحصل على عمل ومنهم من ينتظر، فيما هناك من أكمل نصف دينه، وعندها تشعر بقرارة نفسك أنك وصلت إلى مرحلة الاستقرار.


لكن من هنا يبدأ مشوار المفاجآت فالحرب اليوم تقدم لنا مفاجآت كثيرة لا نتوقعها ولم ندعُ الله يوما أن تقع، فقد تفاجئك الحرب كثيرا عندما تخبرك أنه ينبغي عليك مغادرة هذا المنزل المتعوب عليه فتُرحل منه غصبا عنك؛ لأنه مستهدف، وقد يسقط بأية لحظة من الزمن، أو أنه يتم تحويله قسرا ليكون مركزاً لمن يسمون ذواتهم لجانا شعبية، فتغادره قارئا عليه فاتحة الكتاب مودعا له الوداع النهائي.


وإن لم يكن كذلك؛ فهذا البلد هو بلد المفاجآت والمفارقات والأحزان والأوجاع، قد تتفاجأ بقاصمة الظهر عندما تخرج- تتمشى باحثا عن غرض تعود به لبيتك وأهلك بالانتظار لك - تتفاجأ بغريب يسألك من أنت ولماذا أنت هنا؟! تقول في ذاتك حينها هذا سؤال ينبغي أن يطرح على السائل فهو الغريب على هذه المنطقة وهو الشاذ فيها شكلا وهيئة ولسانا، تظهر له نوعا من التساؤل فتُحال من حينها إلى مكاتب التحقيق أو إلى الزنازين المخفية عن العالمين، لتترك لأهلك المجال في البحث غير المجدي عنك وبذل الغالي والنفيس، وأنت هناك تتعذب ومصدر دخل لتلك المليشيات البغيضة ينهبون أهلك عن طريقك، وقد لا تعود إليهم أو تعود مختل العقل أو مشلول الجسد خارج نطاق الصلاحية، وهنا تقدم المفاجأة إلى الأهل والأصدقاء الذين افتقدوك كثيرا بعد ما قُدمت لك مفاجآت عديدة ماكنت بحاجة لها على الإطلاق.



* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك