عندما نخذل الجيش!

نخشى الحوثيين، ونرجو صادقين انتصار الجيش الوطني؛ لكن في لحظة ما، عند مواجهة خسارة على قدر كبير من القسوة، نستطيع سريعاً أن ننفض يدنا عن هذا الجيش ونذهب لإقناع أنفسنا: هم مجرد تابعون للسعودية، هم حزبيون، فقط قبائل تقوم تحركها ثقافة الفيد.. أو باختصار هم ليسوا نحن تماماً!

هذا نوع من البراجماتية يستحوذ على نظرة بعض الناس للتشكيلات العسكرية الموالية للشرعية، حيث يبدو الانتصار والنصر فقط هو الثمن اللازم للحصول على التأييد والمساندة الشعبية لهذه التشكيلات.

ينقص الجيش الوطني في وضعه الحالي أشياء كثيرة، منها قيادات مسؤولة، وتمثيلاً سياسياً وإعلامياً فاعلاً، واستقلالاً أكبر في إدارة المعركة؛ لكن بالقدر ذاته يحتاج دعماً شعبياً واعياً وجريئاً في لحظات الانكسار بالذات، وليس تعاطفاً عاجزاً عن التعبير عن نفسه بغير السخرية أحياناً، وفوضى الاتهام والتخوين دائماً.

هذان المستويان من العلاقة بالجيش الوطني، الرسمي والشعبي، ليسا مستقلين عن بعضهما بطبيعة الحال ، حيث أن جزءً كبيرا من صورة الجيش في ذهن الناس يتشكل بتأثير الأداء الرسمي؛ ولكن هذا لا يعفي الجمهور من مسؤولية بناء علاقة أعدل وأكثر مسؤولية مع عسكر يعرضون الكثير من النضال والصبر والبسالة، ويبذلون ما بوسعهم للوفاء بمستلزمات مسمى "جيش وطني" ، ثم يحرمون من التمثيل اللائق من قبل قيادتهم العسكرية والسياسية.

دائماً في ردة فعل الناس العاديين على أي تقدم للحوثيين، تسقط من الأذهان صورة عسكريين وطنيين مرجح أنهم قدموا جهداً كبيراً وتضحيات كريمة دون أن يكفي ذلك لتغيير مصير المعركة.

الغضب أو الخوف، أو مزيج من الإثنين هو ما يحكم نفسية الناس في هذه اللحظات، ويأخذ المساحة المفترضة لمزيج آخر يبدو إيجابياً وأقرب لمزاج المقاومة والتحرير، وهو مزيج الحزن والتحدي.

الخوف يدفع الناس إلى السخرية من الجيش كنوع من الاحتماء النفسي والبدني، خصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث ينقلب فجأة الشخص الذي كان يمسك على قلبه خشية انكسار هذا الجيش قبل ساعات فقط إلى متفرج هازل كما لو أنه لم يكن يكترث منذ البدء سوى لنصيبه من المتعة التي يوفرها هذا العرض من مصارعة الثيران؛ في حين يتجلى الغضب من خلال انجراف الناس خلف أي تفسير لتقدم الحوثيين وتراجع الجيش ما عدا التفسير المباشر والأكثر بداهة.

نادراً ما تسمع في الشارع أن الأمر حدث على هذا النحو مثلا بفعل تفوق ميداني ظرفي للحوثيين، وكأن في التسليم بذلك تنازل عن الأمل بإمكانية الانتصار عليهم لاحقاً.

يطغى دائماً الحديث عن مؤامرات وصفقات تسليم وخيانات يقترفها طرف ما من جهة الشرعية، ويؤدي ذلك حتماً إلى الهزيمة الماثلة، وهذا الطرف الذي يجري إشباعه لعنا وشتيمة كل مرة ليس ثابتاً ومحدداً، بل يجري تحديده على حسب هوى الجهة التي تدعم هذا التفسير .. هو التحالف، وهو حزب الإصلاح وهو القبائل وهو أنصار النظام السابق داخل الجيش وهو أي شيء، سوى تفوق الحوثيين أنفسهم وانكسار الجيش الوطني نفسه.

الكثير من الفوضى تترتب على إحالة أي خسارة للجيش إلى ظروف خارجية وعوامل عارضة لا سبيل إلى السيطرة عليها سوى بالتخلي عن الجيش الوطني نفسه.

ليس هذا إنكاراً لحضور الدسيسة داخل جبهة محكومة بطيف واسع من الإرادات والمشاريع المتناقضة، ومساهمتها في التأثير على أداء الجيش الوطني، ولكن إنكار لاعتماد نظرية المؤامرة كتفسير حصري لأي تراجع للجيش.

ما يجمع بين الغضب والخوف ونتاجهما من السخرية وحديث المؤامرة هو إهمال الوجه البطولي والأخلاقي للحرب التي يخوضها الجيش، وهو ما يصح أن يكون سبباً ونتيجة في الوقت ذاته لعلاقة مأزومة بين الجيش والشعب.

ينظر الناس إلى الجيش كفرصة للخلاص من سيطرة الحوثيين وليس كمعبر عن إرادتهم الوطنية وحريتهم السياسية في هذه الحرب، فيسقطون من ذهنهم نتيجة لذلك كل تضحيات ونضالات هذا الجيش التي لا تسفر عن انتصار واضح؛ ويساهم هذا الإسقاط بدوره في منع تشكل رابطة روحية عميقة بين الشعب والجيش.


* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك