جمهوريون في خدمة الهوية الحوثية..!

منذ ما قبل دخول الحوثي صنعاء، عملت الجماعة على بعث الهوية المذهبية لدى أنصارها وبشكل يتجاوز ممارسة النشاط الثقافي الخاص للجماعة كحق مكفول، والذهاب نحو بعد أكبر يتعلق بتصدير المذهب كهوية والاشتغال على البعد السياسي فيه، وبالمجمل استخدام الموروث الزيدي؛ كرافعة لمشروعها السياسي المتجاوز لمبادئ العمل المدني داخل إطار الدولة، بل والمناقض للهوية الوطنية بمتحواه الطائفي المدمر.

هذا النشاط تزايد بعد أن تمكنت الجماعة من التوسع عسكرياً وإسقاط الدولة، وتضاعفت قدرتها على إحياء الهوية المذهبية المسيسة كإطار هوياتي يمثل مرتكزًا لمشروعها وضابطًا أيديولوجيًا للمجتمع الواقع تحت سيطرتها.

في ذات الإطار، شاهدنا طيلة الخمس سنوات الماضية كيف تتعمد الجماعة إستغلال كل المناسبات الدينية والتحشيد للإحتفال بها بشكل يعمم حضور الهوية المذهبية، بالمقابل اندحرت المناسبات الوطنية وصارت مجرد ذكريات هامشية عابرة لا تحظى بأي زخم جماهيري أو احتفاء رسمي بها، وكمثال مركزي: الاحتفاء بكفرة الجمهورية متمثلة في ثورة 26 سبتمبر وما تمثله من رمزية مهمة في الوجدان العام للأمة اليمنية.

وتحقيقاً للغاية الحوثية نفسها وبما يحقق ذات الهدف الذي تعمل من أجله الجماعة، انخرط في اللعبة مثقفون جمهوريون بوعي وبدون وعي وذهبوا بشجاعة أكبر يشتغلون لتبخيس القيمة الوطنية للرمزيات السياسية المتعلقة بالهوية اليمنية الجامعة، ومنها رمزية الجمهورية، هذا الشغل هو خدمة مجانية للحركة الحوثية ويعزز من تماسك هويتها المذهبية كبديل واقعي تمكن من فرض نفسه على حساب الهوية العامة للشعب.

ومن المعروف أن الهوية الطائفية للجماعة الحوثية لا تتمدد إلا على حساب انحسار الهوية الجمهورية للشعب، فكلما انكمش الخطاب الجمهوري تصاعدت الهويات الجزئية لتسد الفراغ.

لا شك أن ما جرى لمشروع الجمهورية يشكل نكسة تأريخية جرفت كل مكتسبات النضال اليمني طيلة عقود خلت؛ لكن أيضًا، من المهم أن نتذكر أن ظروف وملابسات الإنقلاب التأريخي على الجمهورية لم يحدث في الفراغ، بل تسللت في أجواء استقطاب وصراع بين الصف الجمهوري، وهذا ما مكّن الإماميين من تمرير مشروعهم عبر استغلال الشروخات القائمة بين التيارات الوطنية الجمهورية، ومثلما تمدد الحوثي في أجواء كهذه، هو يترسخ أكثر في ظل تصاعد خطابات جمهورية تشرعن لواقع الإمامة وتستخف بفكرة الجمهورية، تحت مبرر المكاشفات والإعتراف بالواقع.

أخيرًا: إن تهشيم رمزية الجمهورية، لا يمكن إعتباره نقاش معرفي محايد، بل مساهمة خطرة في خلخلة عناصر الهوية الوطنية، وهذا نشاط يصب بشكل مباشر في صالح الهويات الفرعية لجانب أنه يخفض حساسية الجماهير من المشروع الإمامي ويمهد الذهنية العامة للتصالح معه.

في الحروب التي تخوضها الشعوب دفاعًا عن فكرة الدولة الوطنية الحديثة، تحتاج لتعزيز شعور الإنتماء الوطني الجامع كمتراس لصد كل المحاولات التفكيكية للهوية الوطنية الأم. هذا الشعور القومي لا يمكنه أن يتكثف بدون خطاب متماسك يوقظ الرمزيات الوطنية باعتبارها جذوع صلبة لتقويض كل المحاولات الكارثية لبعث الهويات الصغيرة.

حتى اللحظة ما يزال الحوثي متحرجاً من إزاحة لافتة الجمهورية؛ لكنه يشتغل بتصميم دائم على تغذية الهوية المذهبية الخاصة به في جميع نشاطاته وبما يعزز حضورها في الذهنية العامة للمجتمع ويجذر بقاءها فترة أطول، وبالتوازي مع نشاط كهذا، لا تتورع رموز من النخبة، محسوبة على التيار المدني عن مساعدته في تثبيت نفسه والذهاب بعيداً لتهشيم ما تبقى من رمزية للجمهورية وذلك بالتقليل من مركزية الفكرة وإعتبارها فكرة نسبية قابلة للاستبدال.


* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك