الذكرى الخامسة لاختطاف قحطان..!

خمس سنوات ولا أحد يعلم كيف حاله في الزنزانة، لم يكن محمد قحطان حامل بندقية يقاتل الحوثي في جبال العدين، ولم يكن سائق سيارة مفخخة يتهددهم بقنابله، حين قبضوا عليه وهو في طريقه إلى عدن.

كان مواطنًا يمنيًّا يمارس حقه الطبيعي في التنقل بين المدن، سياسيّ يعرف نفسه جيّدا، يثق بنزاهته ويتحرك في وضح النهار، لم يتخفّ قحطان من عيون القتلة، كي ينجوا من قبضتهم، تصرّف بما يتطابق ما باطنه النقي وجوهره الخالي من الدسائس، لربما أن ذلك كان قلة نباهة منه؛ لكنها أيضًا فضيلته الكاشفة لشخصيّته، رجل بلا مخاوف وسياسي ليس لديه ما يخشى على فقدانه، وقد فقد بلاده بكاملها.

بعد خمس سنوات من تغييبه القسري، ما يزال محمد قحطان تمثالنا الذي يكشف وضاعتهم، كلما حاول الحوثيون تنظيف صورتهم المتسخة في أذهان الناس، أو المراهنة على عامل الزمن؛ لتخف بشاعتهم في الذاكرة، سرعان ما يستذكر الناس أحد أبرز الوجوه الشاهدة على جرائمهم، حيث يقبع في الزنزانة رجل كبير بالسن، لم يشفع له كبر سنه ولا رزانته؛ ليطلقوا سراحه، أو يخففوا قبضتهم عليه، لم تسعفهم بقايا أخلاق إجتماعية ليسمحوا لعائلته بزيارته، او حتى نبضت ضمائرهم الميّتة ليفصحوا عن حاله وما إذا كان بخير أم لا.

لا يوجد تفسير لهذه الحالة العدوانية الطافحة في تعاملهم مع رجل متعب ويبلغ من السن الكبير، حتى أن أحدهم يسأل نفسه: إذا كان هذا تعاملهم مع أكثر خصومهم رزانة، أكثرهم إنصافًا وعدالة ورغبة بالسلام، فكيف كانوا سيتعاملون مع بقية قادة الأحزاب ومعارضيهم والغاضبين منهم والناقمين عليهم والداعين لقتالهم، لو لم يتمكنوا من الإفلات من تحت أيديهم..؟

لا شك لديّ أن الحوثي ما كان ليتردد عن إيداع كل قادة الدولة في السجن، وعمل محاكم تفتيش وتنفيذ أشد المجازر بحقهم لو أن الأمور استتبت له وتمكن من إخضاع البلاد بكاملها. كان سيضع جميع بقية رموز الدولة وشعبها تحت رحمته. وما تغييب قحطان سوى نموذج عملي بارز يؤكد حقيقة سلوك هذه الجماعة، وطبيتعها المفارقة لليمنيين وجوهرها المتوحش بلا حدّ ولا رادع سوى ما تقف عنده قدراتها القصوى في اجتراح الجريمة والاستعداد للفتك بكل شيء في سبيل تعزيز قبضتها على الدولة وإخضاع المجتمع بسطوة السلاح.

على امتداد صراعات اليمنيين فيما بينهم، وفي كل المراحل مهما بلغت درجة الصدام والإحتراب لم يحدث أن عامل اليمنيين خصومهم من أبناء جلدتهم بهذه الوحشية والقسوة وهتك كل التقاليد الإجتماعية والتعامل مع الخصوم كغرباء كما يفعل الحوثي. هذا التعامل هو ما يؤكد به الحوثي غرابته على أبناء الشعب وقطيعته الحادة معهم.

حيث سلوك الحوثي يفصح عن سلوك جماعة محتلة، على أن تقاليد الإحتلال في العقود الحديثة تحتفظ بشيء من الأخلاق العامة، فيما الحوثي يمارس شكلا احتلاليًا يمتزج فيه العنف بالبداوة؛ لدرجة رفضه الإفصاح عن حال سجين وتطمين أسرته، والحرص على قطع كل السبل بينه وبين أهله، بما يعكس روح إنتقامية خالصة وإرادة متعمدة لتعميم الأذى على كل من تربطهم علاقة بهذا السجين، وكأن الأمر يتعدى مجرد الخلاف السياسي معه ليعكس رغبة في نقمة شاملة من الفرد والأسرة والمجتمع وكل من لا يدين بالولاء لهم.


أخيرًا: إن طريقة تعامل الحوثي مع قحطان وغيره من السجناء، وطريقة تعاملهم بشكل عام مع الشعب اليمني طيلة خمس سنوات، قتلا وسجنًا وإخفاءً قسريًّا وتعذيبًا وموت في السجن وإنتهاك للشرف وكافة أشكال البلطجة في المجتمع سرّا وعلانية، كل هذه الشناعات جعلت من الحوثي أسوأ جماعة إجرامية مرت في التاريخ اليمني ومثلت التجسيد الأبرز لفكرة الشر المنفلت كما رفعت مستويات الجريمة لحدود قياسية لم يسبق أن وصل إليها أحد ولم يحدث أن تجلت جماعة عنيفة في التأريخ اليمني الحديث أو طرف سياسي بمثل تلك الصورة التي يتجسد عليها الحوثي وهو يمارس عبثًا مفتوحًا وممنهجًا بحق الناس حتى يومنا هذا.


كل عام وأنت تمثال حرية يا قحطان، كل عام وصورتك تزداد اشتعالا في أذهان الجماهير، في غيابك كما في حضورك تظل ملهمًا للجميع، سجين الحلم المدني، ونموذج للسياسي الذي رفض كل أشكال الإخضاع وتمسك بفكرة الدولة ودفع ضريبتها حريته وسعادته وصحته وربما حياته.

* المقال خاص بالمصدر أونلاين


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك