تعز تستأنف موتها مع كورونا !

الهلع الذي تسبب به فايرس كورونا أصاب قدراً لا بأس به من حيوية مدينة تعز، أو لنقل أصاب ما هو متاح منها عند الأخذ في الإعتبار أن المدينة كانت أساساً لا تزال تنازع الموت وتتحرر شيئاً فشيئاً من ظلاله حين لاح شبح القاتل العالمي المستجد. 


الحيوية هي الكلمة التي اخترتها لكي تعني ما هو أكثر من مجرد الحياة. يوم المدينة صار ينتهي باكرا جدا وتوشك الشوارع أن تخلو تماما بمجرد هبوط الظلام، ولا يتبقى من شارع جمال الذي نادراً ما يخسر رواده في أي وقت سوى حركة محدودة لأفراد قليلين ، وحتى هؤلاء يظهر عليهم أنهم في عجلة من أمرهم وكأنهم يتواجدون في المكان الخطأ وعليهم الإختفاء في أقرب وقت.


ليس الأمر أن الناس كانوا متصالحين تماماً مع الحياة العامة ثم فجأة أفزعهم كورونا فتواروا بعيداً، أو أنهم أخذوا دعوات السلطة وتحذيراتها على محمل الجد، فلا تزال السلطة هنا في نظر كثيرين في مرحلة التجريب، وحتى فيما يتعلق بالسياسات التي يؤيدونها تماما فإن التأييد غالبا يتضمن شعورا بالتعاطف تجاه هذه السلطة التي لم تستقر بعد على ملامح واضحة سياسيا أو جغرافيا.


أسواق القات التي تتابع نشاطها بذات الزخم أو ربما أزيد، تجعلنا نتردد قبل أن نفسر احتجاب الناس الجزئي في النطاق الخاص على أنه استجابة حصرية للخطر الطارئ ، حيث ظهر القات وكأنه فوق أي سلطة أو خطر ولا يجوز أن يتم حشر أسواقه في مستوى واحد مع المدارس والجامعات وفرزات المواصلات، بل يبدو أحيانا وكأنه الشرط الأول للبقاء في المنزل لأطول فترة ممكنة بالنسبة لكثيرين. 


المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، في خطابها قبل أكثر من أسبوعين أخذت تواسي الألمان وتعبر لهم عن إحساسها بمعاناتهم جراء حظر الحركة في المدن ، ولكي تؤكد لهم أنها ليست غريبة عن معاناة من هذا النوع ، فقد أشارت إلى تجربتها الشخصية أثناء شبابها في ألمانيا الشرقية تحت الحكم الشيوعي الشمولي.


الأمر مختلف عندنا، ولا حاجة لدى الناس لسلطة خارجية تقنعهم أو تفرض عليهم البقاء في منازلهم، ولولا أن هناك ما يدفع بهم إلى الشوارع عنوة لشاهدنا صورة موحشة للمدينة ومعالمها. لا أحد يستطيع الجزم أن الناس سيعانون من اعتزال الأماكن العامة في حال توفرت لقمة العيش داخل البيوت.


لقد اكتسب الناس خلال سنوات الحرب استعدادا نفسيا لتمضية الساعات الطويلة داخل الحجرات، وكانت علاقتهم بالحياة العامة قد تضررت كثيراً. لا يزال شبح الخوف حاضراً في الشوارع ولو كذكرى سيئة أو خاطر غير واع يثقل الحركة وينصب الحواجز النفسية التي تحول دون استعادة تلك الإنسيابية والمرونة بين الخاص والعام ، وبين الشارع والبيت ، والتي هي من ثمار فترات طويلة من السكينة والحياة المديدة دون صدمات أو انقلابات عاصفة.


في السابق كنت أعتقد أن الرغبة في التجوال والخروج إلى الحدائق والمقاهي والأسواق وممارسة أنشطة جماعية والتعرف على أشخاص جدد هي طبع متأصل لدى غالبية الأفراد، وأن هذه الرغبة في حالة توقد دائم وأن الناس سيخرجون ويتسكعون ويصعدون المرتفعات ويشاهدون الأودية ويزورون المقابر طالما لم يحل بينهم وبين ذلك ظرف خارجي قاهر؛ لكنني أعلم الآن أن المسألة أعقد من ذلك بكثير، وأن هذه الرغبة هي حصيلة مرحلة متقدمة جدا من التكيف مع الواقع واستقرار عجلة الأشياء على وتيرة قابلة للإحتمال على الأقل.

ما حدث هو أن تهديد الفايروس صادف أرواحاً كان اليأس قد نال منها واستنزف طاقتها إلى حد كبير ، فتعاملت معه كإشعار على استمرار جفاف الأمل والأمان خارج الجدران.


* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك