مسلسل رمضاني يؤكِّد فيه الحوثيون انتماءهم إلى خط الإمامة الهادوية: لماذا "الإمامة" سيئة في اليمن؟

كشف الحوثيون عن مسلسل إذاعي يُبثّ في شهر رمضان القادم عن حياة الهادي يحيى بن الحسين، مؤسِّس أوّل إمامة زيدية في اليمن قبل أكثر من عشرة قرون. وكتب القيادي البارز في جماعة الحوثي محمد علي الحوثي في حسابه على تويتر:

"قريباً في رمضان، على عدد من الإذاعات الوطنية المسلسل الإذاعي التاريخي: لمحات من سيرة الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين..".

تأتي هذه الخطوة في سياق تأكيد انتماء الحوثيين الرمزي إلى خط الإمامة الهادوية، على الرغم من تنصلهم عن هذا الخط في خطابهم السياسي الذي كانوا يتظاهرون فيه بالاعتراف بالنظام الجمهوري.

فما هي الإمامة الهادوية الزيدية؟ ولماذا هي سيئة في اليمن؟

"الإمامة" في المذهب الزيدي، بشكل مختصر، هي نظرية (أو قاعدة) دينية للحاكمية المطلقة. المهم فيها هو أنها تنص على أن "الشرعية" السياسية امتياز "إلهي" لا يتمتع به إلا من ينتمي إلى فئة العلويين (نسبةً إلى علي ابن أبي طالب) من ذرية الحسن والحسين. والإمامة تمثل الشق السياسي في النسخة الهادوية اليمنية من المذهب الزيدي. "الهادوية" نسبةً إلى الإمام الهادي يحيي ابن الحسين، مؤسس أول إمارة زيدية في اليمن خلال الفترة بين أواخر القرن التاسع وبداية القرن العاشر الميلادي. "المذهب الزيدي" نسبةً إلى زيد بن علي ابن الحسين ابن علي ابن أبي طالب، الذي عاش في القرن الهجري الثاني. والجعفرية، أو ما تسمى بـ"المذهب الاثني عشري" السائد في إيران وجزئياً في العراق والبحرين ولبنان، نسبةً إلى ابن أخي زيد وهو جعفر الصادق ابن محمد ابن علي ابن الحسين ابن علي ابن ابي طالب.

لكن الإمامة الزيدية في اليمن هي تاريخ الأئمة في المرتفعات الشمالية والشمالية الغربية من البلاد. أي أن كلمة "إمامة" تشير إلى تطبيقاتها في الواقع الاجتماعي التاريخي، أكثر مما تشير إلى النظرية في صورتها الأولى عند زيد بن علي أو الهادي. أما معناها المباشر والحرفي فهو: الرئاسة والحكم والتشريع، أي أن صلاحيات الإمام تشمل السلطتين "الروحية" و"الزمنية".

مع الأخذ في الحسبان أن اليمن، تاريخيا، لم يكن أحادي المذهب. فهو ليس زيديا بالكامل (أي أنه ليس "شيعيا"، إذا كان ولا بد من تصنيف المذهب الزيدي بلغة الإنقسام الإسلامي المبكر إلى "شيعة" و"سنة")، واليمن ليس شافعيا (سنيا) بالكامل، وهو ليس اسماعيليا (شيعيا) بالكامل. اليمن متعدد مذهبيا. من شأن هذا المعطى أن يساعد على استشعار ما تطرحه المسألة الحوثية من إشكالات مذهبية وطائفية.

فإذا كانت "الإمامة" قاعدة للشرعية السياسية منصوص عليها في تراث المذهب الزيدي، فإن محاولة تطبيق هذه القاعدة في واقع يمني متعدد المذاهب، تعني دائما المجازفة بالدخول في حرب مفتوحة مع "أتباع" المذاهب الأخرى، وهم "أكثرية" عددية مقارنة بأتباع المذهب الزيدي.

لقد استخدمتُ هنا كلمتي "أتباع" و"أكثرية" بين مزدوجين علامةً على التحفظ والاستشكال. فـ"الزيدية" ليست مجرد مذهب وانتهى الأمر. نحن بصدد مفهوم "تاريخي" معقَّد ومتعدِّد الدلالات. يتطلَّب التعامل مع مفهوم كهذا تمييزا دقيقا بين استخداماته المتغيِّرة في الزمن: فمثلاً، هناك الزيدية وهي كما ذكرنا جماعة المؤمنين بمذهب زيد ابن علي ابن الحسين ابن ابي طالب. وهناك "الزيدية السياسية" بوصفها نظرية دينية للحكم، وقد تجسدت في اليمن بواسطة نظام "الإمامة"، وفي إطار "الزيدية السياسية" توجد الهاشمية السياسية أو بالأصح "العلوية السياسية"، وهي حلقة مركزية داخل "الزيدية السياسية"، والعلويين هنا هم تلك الفئة التي تسعى إلى السلطة بموجب اعتقادها بالانتساب إلى علي ابن ابي طالب وزوجته فاطمة ابنة النبي محمد.

وهناك أخيراً "الزيدية" وقد أصبحت تسمية جغرافية تُطلق أحياناً على مرتفعات صنعاء والمناطق الشمالية والغربية. وفي اللغة الدارجة يطلق على مجموع سكان تلك المناطق اسم "الزيود".

والتسمية في وقتنا الحاضر مشحونة بإشارات سلبية مغرضة. وهي، إضافة إلى افتقارها إلى الدقة، تفترض "لاتاريخية" هذا المجتمع، أي أنها تفترض وجوده في وضع من السكون الأبدي، وأن الزيدية جوهر ثابت ومنتظم بصلابة لا تلين. التسمية أيضاً تتجاهل التغيّرات "البنيوية" التي عرفتها مناطق "اليمن الأعلى" منذ ثورة 26 سبتمبر 1962، تغيّرات على مستوى التركيبة المذهبية (انتشار واسع للتَّسَنُّن)، وعلى المستوى الديمغرافي والاجتماعي. فلم يعد كل من يقطن صنعاء ومحيطها القبلي، شمالا وغربا وشرقا، "زيدياً" من الناحية المذهبية، ومن بقي زيدياً، فإنه زيديّ على الصعيد الفردي الروحي، في الفرائض والعبادات، ولم تعد زيديّته مشروطة بالولاء السياسي لإمام "علوي" "فاطمي" كما كان عليه الحال قبل سقوط حكم الأئمة وقيام النظام الجمهوري في شمال اليمن.

هذا الواقع الاجتماعي والوطني الجديد هو ما يعمل الحوثي على تقويضه وتغييره وإعادة تكوين ما يمكن تكوينه من ترتيبات الماضي وهياكله وعلاقاته السابقة على ثورة 26 سبتمبر 1962.

وهكذا، لا يكون اليوم زيدياً، بالمعنى السياسي، إلا من ينشط لتحقيق "الإمامة" أو ما يماثلها من صيغ واصطلاحات مموَّهة مثل "الولاية الإلهية" أو "عَلَم الهدى" على غرار ما يفعل الحوثيين. والنسب "العلوي" "الفاطمي"، كغيره من الأنساب، لا يمثِّل مشكلة إلّا في اللحظة التي يكون فيها مرجعية لادعاء الشرعية.

والزيدية، كغيرها من المذاهب، ليست مشكلة إلّا في معناها السياسي، المعنى الذي تعمل فيه بوصفها قوة للتعبئة والتنظيم الاجتماعي والعسكري، أي أن تعمل بوصفها قوة "تطييف" وتقسيم. هذه النقطة هي ما يفصل "المذهبية" عن "الطائفية" بالمفهوم المعاصر.

وحتى لو كانت هذه هي "الطائفية"، فإنها طائفية على النمط اليمني: نزعات طائفية بدون طوائف ممأسسة ومنظمة داخل نطاقات جغرافية منفصلة ومغلقة. وتُعَدّ "الطائفية" من المفاهيم "الأوعية" التي تنشأ من إدراك التشابه والتماثل لتعميم كلمة على مجموعة أشياء وظواهر، والتعامل معها على أنها صنف واحد وذلك وفقا لما تشترك فيه الأجزاء من صفات والتغاضي عن نقاط الاختلاف.

لا يمكنك أن تتحدث عن "طائفة زيدية"، إلّا إذا كنت تقصد الحوثيين فقط، وليس المجتمع في ما تسمى بـ "المنطقة العليا" من اليمن.

صحيح أن هناك من يقول بأن "زيدية" الحوثي هي نسخة محدَّثة ومحرَّفة بالقياس إلى النسخة الأصلية. لكن هذا القول لا معنى له من الناحية العملية، ومن السهل إسقاطه بالسؤال عن ماهية النسخة الأصلية؟ أين نبحث عنها؟ ولماذا نبحث عنها من الأساس؟

إن زيدية الحوثي -في حدّها الأدنى- هي شكل من "الاستملاك الهووي" للزيدية بكافة مستوياتها، (والتعبير للمؤرخ الفرنسي مارسيل غوشيه في حديثه عن ما تسمى بـ"جماعات الاسلام السياسي"). وبقدر ما يتجاوز الحوثي بعضاً من أسس ومعالم الموروث الزيدي التقليدي، بقدر حرصه أيضا على أن لا يتخلَّى كلياً لخصومه ومنافسيه المحتملين ممّن يقفون معه على نفس الأرضية المذهبية، ويشاركونه في الاعتقاد بالنسب العلوي الفاطمي - عن مزايا الايحاء بتمثيل "الزيدية".

وهذه، إلى حدٍّ ما، حيلة شبه مألوفة في التاريخ السياسي لزيدية اليمن، فلطالما تعرَّضت أفكار هذا المذهب ونظرياته للهيكلة والتعديل، بل والنقض، باسم الزيدية نفسها.

وعليه، فالإمامة كفكرة ليست سيئة لأنها إمامة فقط، بل بسبب ما يتصل بها من إشكالات عملية تم اختبارها تاريخيا. ولو كانت الإمامة جيدة لما اضطر الحوثيون إلى تهريبها داخل أغطية تنكرية بالطريقة التي يجري بها تهريب الممنوعات.

لماذا تأخروا إلى اليوم لكي يتخذوا من عصور الأئمة نقطة مرجعية لتقديم أنفسهم للناس؟

لأن سجل الأئمة خالٍ من المناقب العظيمة والأمجاد الوطنية التي يمكن الاستناد إليها كإرث خالد ينسبون أنفسهم إليه باعتزاز.

وفي نهاية المطاف، لقد برهنتْ وقائع التاريخ أن الإمامة ليست صالحة لليمن الكبير ولا اليمن الكبير بيئة صالحة للإمامة. وهي لم تكن عنصر استقرار وسلام دائم لا في بعض اليمن ولا في كل اليمن.

وبداهةً، ما لا يصلح لبعض اليمن لا يصلح للكلّ.


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك