ملاحظات من وحي اختطاف الحوثيين للرويشان

من الصعب أن تكون طاغية في اليمن حين يكون الطغيان هو كل ما لديك. لا تستطيع أن تسود بالقوة في اليمن حين تكون القوة هي كل ما لديك. هذا بعض ما يمكن أن يخرج به المرء من التأمل في واقعة اختطاف الحوثيين لوزير الثقافة الأسبق خالد الرويشان وإخلاء سبيله في اليوم التالي مباشرة.

لهذه الواقعة قيمة تحليلية من نوع خاص. فالرويشان في نشاطه الدعائي المناهض لسلطة الحوثيين لم يكن يَصدر عن صفة حزبية معيّنة بل عن مكانته الاعتبارية كوزير ثقافة سابق أولاً، وعن لقبه الذي يحيل في الذهن إلى بيت الرويشان وقبيلتهم خولان، ثانياً.

لو كان عنصراً حزبياً فقط، حتى لو كان يحتل موقعاً قيادياً رفيعاً، أو لو كان موظفاً حكومياً فقط، لاختلف الأمر جملة وتفصيلاً.

لا يسترضي الحوثيين الأحزاب والمؤسسات الجديدة، مثلما هم محتاجون لاسترضاء القبائل. غالباً، لكل قبيلة سهم داخل الحوثيين مثلما لكل قبيلة سهم في الموقف المناهض لهم. فالقبيلة لا تشكّل وحدة سياسية إلّا في مواجهة قبيلة أخرى.

هل يمكن تفسير إخلاء سبيل الرويشان فقط بما يفترضه الجميع من ضغوط ربما مارسته قبيلة خولان على الحوثيين؟

لا نعرف على وجه الدقة إن كان لخولان ثقل سياسي عند الحوثيين كخولان. قد يكون لآل الرويشان تحديداً الدور الأكبر في تخليص خالد من قبضة الحوثيين. ذلك أن لدى آل الرويشان ما يحاججوا به في هذا الصدد للتخفيف من نقمة الحوثيين وسخطهم على خالد. فهم قد يقولوا مثلاً نحن تعرّضنا لقصف طيران التحالف في صالة العزاء عام 2016 وسقط منا عشرات بين قتيل وجريح، وخالد نفسه كان من بين الناجين في تلك المحرقة.

هذه بالتأكيد نقطة قوة أمام الحوثيين. ولا يُستبعَد أن آل الرويشان قد استخدموها بشكل أو بآخر في مراجعاتهم لإطلاق سراح ابنهم خالد.

في اليمن، لا يكفي أن تبرِّر كلّ فعل من أفعالك باسم المصلحة العليا أو السيادة أو باسم المبدأ أو القانون، عليكَ أن تكون مُقْنِعاً علاوةً على ذلك، ومغموراً بالرضا والعرفان من جانب عموم الناس.

الشرعية في اليمن هي مفهوم بالغ التعقيد. من الممكن أن تكون القوة مصدر أوَّلي من مصادر الشرعية، هذا صحيح، لكنها أضعف المصادر وأقلّها دواماً. حتى لو بلغَتْ عوامل القوة لديك درجة عالية من المتانة والكمال، وما لم تكن لديك ركائز إضافية للشرعية؛ كالكاريزما والسحر الشخصي، أو الإنجاز بشكل عام، لا سيما الإنجاز الاقتصادي الخارق الذي يحقِّق الرخاء والوفرة، أو أن يكون في سجلّك مجد وطني مهيب، فإن هامش الخطأ في بلد مثل اليمن ليس مفتوحاً بلا حدود، هذا إن لم يكن أضيق الهوامش على الإطلاق.

الواقع الاجتماعي يفرض على أي سلطة في اليمن، وخصوصاً أعالي اليمن، قيوداً لا يمكن تخطِّيها دون ثمن ولو بعد حين. هذا الواقع يفرض أسلوباً للحكم وللسياسة سابق على كل نظرية أو منهج.

هذا المجتمع، عندما يجد نفسه، في لحظة ما، مضطراً للخضوع لسلطة غالبة، فإنه لا يخضع إلّا لكي يطوّعها ويَسوْسَها في وقتٍ تظن هذه السلطة أنها هي التي تسوسه.

طوال أحد عشر قرناً كانت رسالة كلّ إمام، تقريباً، من الأئمة الزيديين، هي فرض قواعد الشريعة على حساب قواعد العرف القَبَلي التي كان يصفها الإمام يحيى حميد الدين بـ"الطاغوت"، وشنّ عليها حملة شعواء باءت بالفشل.

لم تفلح جهود كل الأئمة بالتعاقب في طمس العرف الاجتماعي الذي احتفظ بمكانته جنباً إلى جنب مع قانون الشريعة وأحياناً على حسابه.

بل إن آخر نسخة من الإمامة (الحوثيين) بدت وكأنها قد انضمَّتْ إلى العرف القَبَلي وتخلَّت عن رسالة الأسلاف، فها نحن نشاهد بين وقت وآخر القيادي الحوثي أبو علي الحاكم يتجول بين القبائل ببندقيته يحكِّم بها هذا الشيخ أو ذاك على طريقة التحكيم العرفي المعمول به بين القبائل.

العرف هو القانون المستخلص من الحياة الواقعية، من التجربة الحيّة ورواسبها الموروثة، وهو ليس بالجمود الذي نتخيّل، بل هو قابل للتغيّر والتحوّل حسب مقتضى الحاجة، وهو ليس عرفاً واحداً بل أعراف كثيرة يتناسب عددها مع عدد المناطق والبيئات المحلية التي تتشابه في بعض أوجه الحياة وتتمايز في البعض الآخر.

هذا يذكرنا بما كتبه إرنست غيلنر معلِّقاً على العرف القبلي لمجتمع البربر في المغرب العربي: "يختلف القانون القبلي العرفي عن الشريعة الإسلامية لكونه بطبيعة الحال علمانياً (وعلى عكس الصورة النمطية الرائجة عن العقل القبلي)"، وهو "يفيض من تقاليد القبيلة وقابل للتغير بالإجماع".


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك