فيروس "كورونا": ما قصة المختبر الصيني الذي يتهمه "ترامب" بنشر الوباء؟

فيروس "كورونا": ما قصة المختبر الصيني الذي يتهمه "ترامب" بنشر الوباء؟

تدور رحى حرب إعلامية شرسة بين الإدارة الأمريكية والصين حول مصدر فيروس كوفيد-19 الذي يعرف أيضاً باسم فيروس كورونا الجديد.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير خارجية مايك بومبيو اتهما الحكومة الصينية بالتستر لفترة طويلة على حجم انتشار العدوى ومدى خطورة الفيروس. كما قالا إن هناك تقارير استخبارية كثيرة تشير إلى أن الفيروس تسرب من مختبر الفيروسات في ووهان.

وردت الصين على الاتهامات الأمريكية قائلة إن الرئيس ترامب يحاول التغطية على فشل إدارته في مواجهة الفيروس واتخاذ الإجراءات المناسبة.

لا يعرف أحد كيف انتقل هذا الفيروس الموجود في نوع معين من الخفافيش والذي عثر عليه في إقليم هونان (خفاش حدوة الفرس) الى البشر. هناك نظرية تتحدث عن انتقال الفيروس من الخفاش إلى قط الزباد ومنه الى البشر. يذكر أن هذا النوع من الخفافيش يعيش في كهوف عميقة وفي مناطق وعرة في الصين يصعب الوصول إليها.


روايات متضاربة


وهناك رواية أخرى تتحدث عن إصابة باحثة في المختبر بالفيروس ونقلها العدوى إلى شريك حياتها لاحقا.

من الجدير ذكره أن هذا المختبر يتولى دراسة انتقال الفيروسات القاتلة من الحيوانات إلى الإنسان منذ دخوله الخدمة قبل خمس سنوات.

نفت معظم أجهزة الاستخبارات الغربية رواية أن الفيروس من انتاج المختبر وأنه تم تسريبه منه بشكل متعمد.

وقال بومبيو الذي كان مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية قبل تولي منصبه الحالي، في 3 مايو/ أيار في حديث مع قناة ABC الأمريكية "إنه ليس لديه سبب للاعتقاد بأن الفيروس انتشر عمداً"، لكنه أضاف: "تذكروا أن للصين تاريخاً في نشر العدوى في العالم ، ولديها سجل طويل في إدارة مختبرات لا تلبي معايير السلامة المطلوبة".

وأضاف بومبيو: "هذه ليست المرة الأولى التي تعرض فيها عالمنا للفيروسات نتيجة أخطاء في مختبر صيني وبينما تواصل أجهزة الاستخبارات القيام بعملها حول هذه المسألة والتحقيق فيها حتى نحصل على أجوبة شافية، يمكنني أن أخبركم أن هناك قدراً كبيراً من الأدلة التي تؤكد أن مصدر هذا الفيروس هو مختبر ووهان".

يذكر أن الفيروس الذي تسبب بمرض سارز كان مصدره الصين. وقد انتقل من الحيوان إلى الإنسان أيضاً.
إجماع

هناك شبه إجماع على ان مصدر الفيروس هو مدينة ووهان في وسط الصين، كما يعتقد معظم العلماء أن الفيروس انتقل من الخفاش إلى حيوان آخر ومنه إلى الأنسان وتدور تكهنات أن الحيوان الوسيط هو بانغولين الامر الذي جعل العالم يركز الضوء على سوق اللحوم والخضار في المدينة حيث تباع مختلف أنواع الحيوانات البرية بغرض الاكل.


وتقول الرواية الحكومية الصينية إن الفيروس انتقل للبشر في هذا السوق، لكن لا تقدم الصين أدلة علمية على ذلك. كما أن التعتيم الذي فرضته الصين حول انتشار الفيروس في الأسابيع الأولى من انتشاره وفرض رقابة شديدة على كل المعلومات المتعلقة بالعدوى أثارا المزيد من الشكوك حول مصدر الفيروس وكيفية انتشاره.

وقامت السلطات الصينية بطرد العديد من الصحفيين الأجانب الذين كانوا بصدد تناول هذه الجائحة ومحاولة الحصول على أجوبة شافية للعديد من التساؤلات التي يطرحها الرأي العام العالمي.

هناك معلومات وافية عن المعهد الذي يضم المختبر على موقعه على شبكة الانترنت. الصين دولة الحزب الواحد ويحكمها الحزب الشيوعي بقبضة من حديد وبالتالي ما يعلن للرأي العام سواء تعلق الامر بهذا المعهد أو غيره ليس بالضرورة يعكس الواقع ويجب النظر اليه ببعض الشك فلا يمكن أن يتم نشر أي معلومة في ظل مثل هذه الأنظمة يمكن أن تضر بصورة وسمعة الحكم أو يثير المخاوف في الداخل او الخارج.

ويتعاون المعهد مع أكثر جهة أجنبية ومن بينها مختبرات فرنسية كما يتلقى المساعدة المالية من الحكومة الأمريكية وقد اوقفها ترامب قبل أيام قليلة.

ويضم المعهد أول مختبر صيني يضمن السلامة البيولوجية من الدرجة الرابعة حسب التصنيف العالمي أي أن المختبر مؤهل لإجراء دراسات على الفيروسات وغيرها من الكائنات الدقيقة السريعة العدوى والخطرة على الكائنات الأخرى ولا تتوفر أدوية لمعالجتها أو لقاحات ضدها. وكان المختبر يدرس فيروس كورونا الذي انتقل من هذه المدينة إلى العالم برمته بسرعة غير مسبوقة.

قامت فرنسا بتصميم وتمويل بناء هذا المختبر وبلغت كلفته 44 مليون دولار وافتتح عام 2015 وأغلب الكوادر العاملة في المختبر تلقت التدريب في فرنسا، وللمختبر علاقات مع أمثاله من المختبرات حول العالم. وهو المختبر الوحيد من نوعه في الصين برمتها إذ أن عدداً قليلاً من الدول تمتلك هذا النوع من المختبرات.

ومن بين الشروط التي يجب توفرها في هكذا مختبرات فلترة الهواء الذي يخرج منها ومعالجة المياه التي تخرج منها قبل طرحها في شبكة الصرف الصحي. وعلى العاملين في المختبر الاستحمام وتغيير ملابسهم قبل دخوله وقبل الخروج منه.

وكانت اليابان قد بنت أول مختبر من هذا النوع عام 1981 لكن لم يتعامل مع الفيروسات الخطرة جدا إلا عام 2015 بعد تحقيق شروط السلامة المطلوبة.

وقالت مجلة نيشر العلمية البريطانية في تقرير مطول في عدد فبراير/ شباط 2017 عشية افتتاح المختبر إن العديد من كوادره تقلوا التدريب في مختبر مماثل في مدينة ليون الفرنسية وهو ما يطمئن إلى حد ما بالتزام الكوادر بمعايير الأمن والسلامة المطلوبة وارتداء ملابس خاصة تعزل الشخص عن المحيط بنسبة مئة في المئة.

لكن الدورية البريطانية لفتت الأنظار إلى المخاوف حول وجود هذا المختبر في الصين. فقد نقلت عن الباحث في جامعة روتجرز الامريكية ريتشارد إيبرايت قوله إن عدة حوادث تسرب لفيروس سارز وقعت في منشأة تخضع لإجراءات سلامة مشددة في العاصمة بيجين.

ويقول تيم ترافن، مؤسس شركة كروم الاستشارية للسلامة والأمن البيولوجي ومقرها ولاية مريلاند الأمريكية إن توفر الحرية والانفتاح مهم جداً لتحقيق شروط الامن والسلامة في هكذا مختبرات وهو أمر موضع شكوك كبيرة في الصين التي يحكمها نظام شديد المركزية. وتعتزم الصين بناء عدد إضافي من هذه المختبرات في مختلف أرجاء الصين لإجراء الاختبارات على اللقاحات المضادة لأمراض جديدة.

ويشكك ايبرايت في حاجة الصين إلى مزيد من هذه المختبرات ويرى أن الصين تسعى إلى مجاراة الولايات المتحدة وأوروبا اللتين أيضا ليستا بحاجة إلى هذا العدد الكبير من هذه المختبرات، بل أن الحكومات سترى أن هذا العدد الكبير من هذه المنشآت يمكن استخدامها لتطوير الأسلحة البيولوجية.


مخاوف قديمة


ويبدو أن المخاوف الأمريكية من مدى تلبية المختبر لشروط الأمن والسلامة المطلوبة تعود إلى سنوات سابقة. فقد نشرت صحيفة واشنطن بوست الشهر الماضي تقريراً اشارت فيه إلى قيام دبلوماسيين أمريكيين في الصين بزيارات متكررة للمختبر أوائل عام 2018 وفي أعقابها قام الدبلوماسيون بتوجيه برقيات إلى المسؤولين في واشنطن أعربوا فيها عن قلقهم من تدني إجراءات السلامة المتبعة في المختبر.

ولفتت إحدى البرقيات نظر الإدارة إلى المخاوف المتعلقة بالأبحاث التي يقوم بها المختبر حول الخفاش، مصدر فيروس كورونا، ومخاطر انتقال هذا الفيروس إلى البشر مما ينذر بكارثة شبيهة بجائحة سارز حسب البرقية.

وقد سلطت البرقيات الضوء على الأبحاث التي كانت تقوم بها الباحثة زينغ لي تشي التي عثرت على فيروس كورونا في نوع من الخفاش في أحد الكهوف النائية في اقليم هونان عام 2004 والمخاطر التي تحملها هذه الأبحاث بسبب عدم تقيد كوادر المختبر بإجراءات الامن والسلامة المناسبة.

بعد تلك الزيارات بأقل من عامين ها نحن أمام جائحة كورونا فيروس التي لم يسبق أن شهد العالم مثيلا لها من حيث الانتشار والخسائر الاقتصادية التي تسببت بها.


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك