حفيظ دراجي: المستحيل ليس ألمانياً (مقال)

حفيظ دراجي: المستحيل ليس ألمانياً (مقال)

بعد الدوري الكوري الجنوبي الذي استؤنف بنجاح، الأسبوع الماضي، ها هي الحياة تعود إلى الملاعب الألمانية كأول دوري أوروبي يستأنف المنافسة بعد توقف دام أكثر من شهرين، وسط إجراءات وقائية كبيرة مفروضة على كلّ المعنيين من دون حضور جماهيري، تجنباً لتفشي فيروس كورونا بين الفاعلين في اللعبة الأكثر شعبية في العالم، أملاً في إعادة البسمة إلى نفوس عشاق كرة القدم ولو عبر شاشات التلفزيون، إذ كان "البوندسليغا" اليوم قبلة لملايين المشاهدين عبر العالم، وأملاً في تشجيع بقية الدوريات على الاستئناف تباعاً، بحال نجحت التجربة الألمانية التي عبّر عن افتخاره بها الأسطورة كارل هاينز رومنيغيه، الذي قال إن "العبقرية الألمانية في التعامل مع الجائحة جعلت من العودة السريعة لممارسة الكرة ممكنة".

كلّ الأنظار ستكون مُعلقة اليوم على الملاعب الألمانية ومبارياتها التي سنستمع فيها، على غير العادة، لصوت الكرة وصرخات اللاعبين والمدربين عوض المناصرين، وسنشهد فيها مدى التزام الألمان بالبروتوكول المتفق عليه مع السلطات الصحية في البلد، خاصة ما تعلّق بتجنب العناق والمصافحة بين اللاعبين حتى عند تسجيل الأهداف، والحفاظ على المسافة الآمنة في غرف الملابس وكراسي الاحتياط، إضافة إلى الالتزام بوضع الكمامات لكلّ من يوجدون في الملعب، خاصة من يجلسون في دكة البدلاء، باستثناء الحكام واللاعبين الذين ينزلون إلى أرضية الميدان في سيناريو جديد وغريب على كلّ الفاعلين وعلى المتفرجين عبر شاشات التلفزيون.

التعبير عن مشاعر الفرحة الجماعية المعتادة فوق الميدان وفي المدرجات سيغيب عن الأنظار، لكننا سنشهد بالتأكيد طقوساً جديدة في التعبير عن السعادة بتسجيل الأهداف وتحقيق الفوز من طرف اللاعبين والمدربين، مما سيحافظ على قليل من نكهة كرة القدم التي ستتواصل إبداعاتها الفنية حتى في غياب الجماهير في المدرجات، ويتواصل إبداع اللاعبين في خلق وسائل تعبير فردية جديدة رغم نقص الجاهزية الفنية والبدنية وهاجس التعرض للعدوى الذي يلاحق اللاعبين، المطالبين بالتأقلم مع وضع مختلف عن المألوف، سيستمر إلى غاية نهاية الموسم على الأقل، تكون فيه الغلبة للأقوى ذهنياً ونفسياً قبل الأقوى فنياً وبدنياً.

من الناحية الفنية، كلّ التوقعات تشير إلى أننا سنشهد أهدافاً كثيرة وبطاقات صفراء قليلة بمناسبة الاستئناف، بسبب قلة الاحتكاك بين اللاعبين ووجود مساحات لعب تسمح بصناعة الفرص، كما أن تراجع المستوى البدني للاعبين والسماح مؤقتاً بزيادة عدد التبديلات إلى خمسة سيصب في مصلحة اللعب الهجومي، في دوري شهد نسبة تهديف عالية لحد الآن، بلغت أكثر من ثلاثة أهداف في كلّ مباراة من أصل 224 مباراة لعبت منذ بداية الموسم، بقيت منها تسع جولات ستنتهي في ظرف شهر ونصف من الآن حسب تقديرات الألمان، وستلتحق به دوريات أوروبية أخرى، مع بداية يونيو/ حزيران، إذا نجح الألمان في تحديهم الجديد الذي يترقبه العالم بأسره.

معنوياً، سيشجع نجاح عودة الألمان إلى أجواء المنافسة باقي الاتحادات المحلية على الاستئناف، لكن فشلهم سيثنيهم عن ذلك، وقد يؤدي إلى إلغاء الدوري الألماني كلياً وتأجيل أو إلغاء عودة الدوريات والنشاطات الرياضية الأخرى حفاظاً على صحة الناس، ما ينعكس بالسلب أيضاً على المعنويات والنفوس، ويعيد كامل الحسابات، ليس فقط على مستوى دوريات كرة القدم، بل كلّ النشاطات الرياضية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية المتوقفة منذ أكثر من شهرين، والمهددة بالإلغاء النهائي أو التأجيل المتجدد بكل ما يرافقها من إجراءات حظر وحجر، تترك تأثيرات نفسية واجتماعية واقتصادية على الأفراد والمؤسسات والمجتمعات.

السعادة بعودة الحياة إلى الملاعب الألمانية وبوادر الأمل بعودة الحياة الطبيعية لم تمنع 300 مجموعة من أنصار عشاق الكرة، في 150 نادياً أوروبياً، من التعبير عن معارضتهم للاستئناف المبكر للدوري الألماني من دون حضور الجماهير في المدرجات، كما عبر 56% من الألمان، في عملية سبر للأراء، عن رفضهم لاستئناف الدوري، معتبرين أن في ذلك مخاطرة كبرى قد تؤدي إلى العودة لنقطة الصفر في مواجهة فيروس كورونا، الذي أصاب أكثر من 4 ملايين شخص حول العالم وأودى بحياة ما يقارب 290 ألفا، من بينهم 160 ألفاً في أوروبا.

كلّ الأنظار ستكون معلقة على الملاعب الألمانية، من باب الشغف والفضول في الوقت عينه، للوقوف على تفاصيل التحدي الذي سترفعه ألمانيا، وكيف ستكون الكرة في عهد كورونا من دون جمهور ومن دون مصافحة.


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك