أبو ابراهيم القرشي يستحضر روح أبو مصعب الزرقاوي لقيادة بقايا "تنظيم الدولة"

أبو ابراهيم القرشي يستحضر روح أبو مصعب الزرقاوي لقيادة بقايا "تنظيم الدولة" الزرقاوي لقي حتفه في غارة جوية امريكية عام 2006

ارتفعت وتيرة عمليات ما يعرف بـ "تنظيم الدولة الإسلامية" في عدد من المحافظات العراقية على نحو غير مسبوق منذ مقتل زعيمه أبو بكر البغدادي في ريف إدلب قبل نحو سبعة اشهر، وقبل ذلك خسارته آخر منطقة جغرافية كانت تحت سيطرته عند الحدود السورية العراقية في منطقة الباغوز.

وتلت زيادة عمليات التنظيم انسحاب القوات الأمريكية من عدة مواقع في العراق، أهمها في كركوك والأنبار وصلاح الدين، وكلها محافظات تعرضت لعدة هجمات مؤخراً. وتزامنت مع انشغال القوات الأمنية بمساعدة خلية الأزمة لمواجهة تبعات فيروس كورونا، بالإضافة للفراغ الحكومي قبل أن يستطيع مصطفى الكاظمي تشكيل الحكومة الجديدة.

في هذه الأثناء أعلن الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي، في أول مهمة رسمية بعد إعادته من التقاعد لرئاسة جهاز مكافحة الإرهاب، عن قيام الجهاز بدعم من التحالف الدولي بـ "عمل استباقي" في محافظة كركوك ضد مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية، قتل نتيجته عدد من “الإرهابيين إثر ضربة جوية” نفذها طيران التحالف اسفرت أيضاً عن "تدمير معمل للعبوات الناسفة".

بعث الصراع الطائفي

وعلمت بي بي سي أن عودة عمليات التحالف بالتعاون مع الجهاز الذي يلقى دعماً أميركيا كبيرا هي مقدمة لعملية شاملة تستهدف المناطق التي ينطلق منها مقاتلو التنظيم، يتوقع أن تبدأ بعد عيد الفطر، وستشارك فيها قوات أخرى تتبع لوزارة الدفاع والداخلية، وهي عملية قد تختلف في أهدافها وتكتيكاتها بالنظر إلى ان التنظيم بقيادة زعيمه الجديد أبو ابراهيم القرشي عاد لاتباع منهجية مؤسس التنظيم أبو مصعب الزرقاوي، بالاعتماد على حروب الاستنزاف ضد القوات الامنية، وإرهاب السنة، ودفع الشيعة لصراع طائفي لاستعادة حواضنهم.

ولا يكاد يمر يوم دون أن تتداول وسائل الإعلام العراقية خطف التنظيم وإعدام من يتهمون بالتعامل مع القوات الامنية العراقية من العرب السنة، كما في حالة المختار خضير السامرائي وابنيه في محافظة صلاح الدين، الذين اعدموا وفجر منزلهم وحرقت محاصيلهم وسياراتهم.

ويكشف الطريق إلى مدينة سامراء في المحافظة ذاتها حجم الانتشار الأمني نتيجة تكثيف التنظيم لهجماته، إذ يوجد في المدينة أحد أهم المزارات المقدسة لدى الشيعة، وهو ضريح الإمامين العسكريين.

وكانت شرارة الحرب الأهلية بين الشيعة والسنة قد انطلقت من هذه المدينة عام 2006، بعد ان فجر تنظيم القاعدة بقيادة أبو مصعب الزرقاوي القبة الذهبية للضريح، لتدخل البلاد بعدها حمام دم استمر أعواما، وخلف عشرات آلاف القتلى، وترك ندوباً لم تندمل حتى اليوم بالنسبة لمن عايشوا تلك الأيام العصيبة التي انتهت بهزيمة القاعدة ومقتل الزروقاي ، وتبعه أبو عمر البغدادي.

عميقاً في الصحراء المحيطة بسامراء، تدفع قوات سرايا السلام التابعة للتيار الصدري خطوط صدها، إذ تخشى السلطات الأمنية ان يكون تنظيم الدولة بصدد إعادة مهاجمة الضريح والأماكن المقدسة لتفجير حرب طائفية مجدداً.

ويقول المتحدث باسم السرايا صفاء التميمي إن هذا "كان وما زال الهدف الأكبر للتنظيم بأن يتعرضوا بين الحين والآخر لمحاولات من مقاتلي داعش لشن عملية تستهدف قطعات الجيش العراقي والأجهزة الأمنية والحشد الشعبي في محاولة للوصول إلى مدينة سامراء المقدسة على اعتبار ان مدينة سامراء تقع في خاصرة العراق".

إصدار جديد

لكن هجمات التنظيم لم تتوقف على سامراء، فنشاط التنظيم عاد مؤخراً على نحو ملحوظ في عدة محافظات عراقية، من صلاح الدين الأنبار مرورا بديالى وكركوك ونينوى، وأدى لمقتل وجرح العشرات، غالبيتهم من الحشد الشعبي والعشائري.

وتوجه التنظيم ببث اصدار جديد بمعايير فنية عالية تذكر بتلك الإصدارات الدعائية التي دأب على بثها في أوج قوته تحت عنوان “فضرب الرقاب”.

ويمتد الإعلان على مدى 49 دقيقة ويعيد التذكير بإصدارات التنظيم في مرحلة تنظيم القاعدة بقيادة الزرقاوي، من حيث الاعتماد على الهجمات الخاطفة والسريعة، والعبوات الناسفة لاستهداف الافراد والآليات وضرب قواعد القوات الامنية عن بعد بقذائف الهاون وتكثيف الاعتماد على القناصة بالإضافة لخطف وذبح كل من يتهمهم التنظيم بالتعاون مع التنظيم من السنة.

ويقول هشام الهاشمي المختص في شؤون الجماعات المتطرفة إن جزءاً كبيراً من الصور التي تضمنها الإصدار هي لعمليات نفذت في العامين الماضيين، لكنه يشير لتغيير كبير في منهج عمل التنظيم وليس في استراتيجيته، إذ يرى ان “قيادة التنظيم الجديدة ومنذ مقتل البغدادي تبنت منهج الزرقاوي، وتقاتل بالضبط بنفس التكتيك والوسائل، وتستخدم نفس الرؤى الإعلامية، وأيضاً في التمويل الذاتي واللامركزية، وفي توزيع ما يسمى ديوان الجند والأمن العام.”

وحرص القائمون على إصدار التنظيم الدعائي على إبراز بيعة المقاتلين لزعيم التنظيم الجديد أبو ابراهيم القريشي دون الكشف عن وجهه، ورغم العمليات التي حاولوا إظهارها على انها هزائم للقوات الأمنية، إلا ان انتقامهم من البيئات السنية التي يتهمونها بالعمل مع هذه القوات استأثر على القسم الأكبر من الإصدار، في تكرار لمنهج عمل الزرقاوي، وتنفيذا لتعليماته.

ويرى الهاشمي أن “ أخطر ما كانت تخشاه دولة الزرقاوي في فترة سيطرته في تنظيم القاعدة، ومن بعده أبو عمر البغدادي هي الصحوات، وهم يخشون من الحشد العشائري والمناطقي”.

ويشير إلى أن منهجية الزرقاوي “تعتمد العمل على جبهات متعددة وعمليات غير نوعية في أطراف المدن، وعمليات نوعية داخل المدن، تصنع الفوضى الاجتماعية و السياسية والطائفية.

ليس من الواضح بعد إن كان باستطاعة التنظيم الوصول إلى المدن العراقية مجدداً لإشاعة الفوضى التي يتحدث عنها الهاشمي، لكن يخشى ان ينجح في اختراق بعض المناطق السنية مجدداً بالنظر للكثير من الملفات المؤجلة كإعادة الإعمار وعودة النازحين وانحساب الحشد الشعبي والمصالحة.

ويقلل المتحدث باسم وزارة الدفاع العراقية اللواء تحسين الخفاجي من خطورة الامر، ويقول لبي بي سي إن “الكل يتحدث بان التنظيم عاد، التنظيم لا قاعدة جماهيرية له، ولا يستطيع ان يقوم بتطويع مقاتلين، فمصادر تمويله انتهت وجففت، وهو يعمل بالنفس الأخير ضمن إمكانياته الأخيرة وضمن بعض الحواضن التي تؤوي الخلايا الأخيرة".

وبدوره يرفض المتحدث باسم قوات التحالف الدولي مايلز كاغينز الربط بين زيادة عمليات التنظيم وانسحاب القوات الأمريكية، ويقول لبي بي سي إن تنظيم “داعش أعلن انه سيقوم بعمليات في العراق خلال شهر رمضان، ونفذوا بالفعل بعض العمليات الصغيرة”.

ويرى أن التنظيم “لا يزال قادراً على استخدام الأسلحة الالية، القناصة، والعبوات الناسفة والخطف في عملياتهم، وهذا يتسبب بالأذى للسكان، لكنه لا يستطيع ان يسيطر على الأرض فعلياً، 2020 مختلف على نحو كبير عن 2010".

ويبدو كلام المتحدث باسم التحالف منطقياً، لكن العام ٢٠٢٠ يبدو للبعض شبيهاً بالعام ٢٠١٠ بعد هزيمة تنظيم القاعدة، إذ لم يحتج التنظيم حينها لأكثر من ثلاث سنوات لإعادة بناء نفسه والسيطرة على مساحات واسعة من العراق وسوريا نتيجة تردي الأوضاع السياسية في البلدين، وهو على ما يبدو ما يبرر استمرار عمليات التحالف الجوية ضد التنظيم حتى اليوم.

ويقول كاغينز إن التحالف “يمتلك سلاح الجو الأقوى عالمياً، وأفضل أجهزة الاستخبارات والأنظمة الإلكترونية في العالم، ونساعد العراقيين، بناء على طلبهم، للعثور على مقاتلي داعش والقضاء عليهم.”

ويؤكد المتحدث باسم وزارة الدفاع العراقية عدم تأثر العمليات بانسحاب قوات التحالف من بعض القواعد، ويقول إن التنسيق بين الجانبين مستمر على أكمل وجه، وأن “التحالف الدولي لا يزال موجوداً ويمارس عمله، ولدينا تعاون أمني واستخباراتي، ونعمل مع التحالف ليل نهار لاجتثاث هذا التنظيم".

لكن هذا التعاون ليس محل إجماع عراقي، إذ تطالب عدة أطراف، وفي مقدمتها فصائل الحشد الشعبي المحسوبة على إيران بانسحاب قوات التحالف وفي مقدمتها القوات الأمريكية ويعتقد أن استهداف بعض المقرات من قبل فصائل في الحشد هو ما دفع واشنطن لاتخاذ القرار بإخلائها، خاصة بعد اغتيال كل من قائد فيلق القدس قاسم سليماني والقيادي في الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس.

ويسعى رئيس الحكومة العراقية الجديد مصطفى الكاظمي للموازنة بين الحاجة الماسة لطيران واستخبارات التحالف لهزيمة التنظيم، والضغوط الداخلية التي يتعرض لها كما تبدى ذلك واضحاً في زيارته لهيئة الحشد الشعبي يوم الجمعة، إذ رغم الإشادة بما وصفها “تضحيات الحشد الشعبي”، إلا انه اكد ان العراق اليوم “في مرحلة جديدة”، مشددا على أن “هذا الحشد هو حشد العراق فقط”، في إشارة لضرورة إبقاء قرار الحشد الشعبي ضمن الأطر والسقوف الوطنية العراقية والابتعاد عن اي اجندات خارجية.

وكانت جهود الأجهزة العسكرية والأمنية جميعها قد تكاتفت مع الحشد الشعبي لهزيمة تنظيم الدولة بعد العام ٢٠٠١٤، إلا ان هزيمته ما كانت لتبدو ممكنة بدون التدخل المباشر والكثيف لطيران التحالف واختراقه لشبكات اتصال التنظيم.

ويبدو ان الصراع الإقليمي في العراق بين واشنطن وطهران هو السبب الرئيسي وراء الضغط على الحكومة لسحب قوات التحالف وفي مقدمتها القوات الامريكية، وهو مطلب يبدو أن رئيس الحكومة يسعى لإخراجه من حيز المزايدة، وإعادة تقييمه وفق مصلحة العراق التي باتت على المحك مجدداً بعد استئناف التنظيم لتحركاته بطريقة لم تكن متوقعة. ومن خلال ذلك يكون من الممكن قراءة اسناد الحكومة لجهاز مكافحة الإرهاب المهمة الأكبر ليكون رأس الحربة في المعركة المقبلة بإسناد من التحالف ضد بقايا التنظيم.


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك