مقتل جورج فلويد ينهي "أوهام أمريكا ما بعد العنصرية" ويضع البلاد أمام "خيار يتعلق بالحضارة"

مقتل جورج فلويد ينهي "أوهام أمريكا ما بعد العنصرية" ويضع البلاد أمام "خيار يتعلق بالحضارة"

إن الحركة الاحتجاجية التي اندلعت إثر مقتل الأمريكي من أصول أفريقية جورج فلويد في مدينة مينيابوليس، والمستمرة منذ أسبوع في الولايات المتحدة الأمريكية، هي بلا شك غير مسبوقة من أوجه كثيرة. فالأمر بات يتخطى مسألة العنصرية، وأصبح المحتجون يستهدفون الآن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

تمر الأيام ولكن نار الغضب لا تزال مشتعلة، ولا تزال الحركة الاحتجاجية التي اندلعت شرارتها في الولايات المتحدة بعد وفاة جورج فلويد، الأمريكي من أصول أفريقية، عندما ألقى رجال شرطة بيض القبض عليه في 25 مايو/أيار في مدينة مينيابوليس تتصاعد ويتسع نطاقها. فقد شهدت ليلة الأحد 31 مايو/أيار إلى الاثنين 1 يونيو/حزيران اشتباكات جديدة بين المتظاهرين وقوات الأمن في عدة مدن من البلاد، بما في ذلك واشنطن العاصمة وعلى بعد خطوات قليلة من البيت الأبيض. ونُشِر جنود الحرس الوطني في خمس عشرة ولاية بينما فرضت السلطات المحلية حظر التجوال في عشرات المدن. وهو أمر لم يحدث منذ اندلاع أعمال الشغب التي أعقبت اغتيال مارتن لوثر كينغ في عام 1968.

"هناك شيء استثنائي يحدث في الولايات المتحدة في الوقت الحالي، نحن نتعامل هنا مع انفجار برميل من البارود"، بهذه الكلمات تحدث القاضي رومان هوريت، المؤرخ الأمريكي ومدير الدراسات في معهد دراسات العلوم الاجتماعية العليا (EHESS) بباريس، إلى فرانس24. يذكرنا أصل الحركة بل والحركة نفسها بأعمال الشغب التي أعقبت تبرئة أفراد الشرطة الذين اعتدوا بالضرب بوحشية على رودني كينغ في لوس أنجلس، أو بالمظاهرات، في الماضي القريب، التي تلت وفاة مايكل براون عام 2014 في فيرجسون. ولكن، كما يشير رومان هوريت، فإن ما يسجله التاريخ الآن في الولايات المتحدة غير مسبوق بالمرة من جهة "سرعة الانتشار والحجم، والجمع بين المظاهرات السلمية والعنيفة في العديد من المدن وبهذه الطريقة القوية".

سياق مخصوص للأحداث

ويؤكد رومان هوريت قائلا "لقد عاشت الولايات المتحدة مناخا استقطابيا شديدا منذ انتخاب دونالد ترامب رئيسا للبلاد، وهو الذي كان يلعب بالنار لمدة ثلاث سنوات مستخدما العبارات العنصرية، ومحرضا قسما من السكان على الكراهية والعصيان". والصدمة التي أثارها عنف صور الاعتقال التي تظهر رجلا ممددا على الأرض ويطلب أن يتاح له التنفس ثم ضابط الشرطة الذي يخنقه واضعا ركبته على عنقه، كل ذلك وقع كالصاعقة على جزء كبير من الرأي العام. كانت هذه الصور، التي نشرت على نطاق واسع عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بمثابة المسؤول الذي نزع فتيل المفجر.

ويوضح المتخصص في شؤون الولايات المتحدة قائلا "تأتي وفاة جورج فلويد أيضا في ذروة جائحة كوفيد-19، التي سلطت الضوء على أوجه التفاوت الكبير الموجود في الولايات المتحدة. فالوباء قد ألحق أضرارا بالمجتمع الأمريكي الأفريقي، سواء من حيث عدد الوفيات أو التأثير على الاقتصاد غير الرسمي الذي يسمح لجزء كبير من هؤلاء السكان بالبقاء أحياء".

حركة تتجاوز مسألة الأعراق

ويحلل رومان هوريت الوضع مذكرا بأن دونالد ترامب "يرمز إلى غياب الإنسانية وذلك أولا بسبب تجاهله للأحداث في البداية، ثم من خلال تغريداته من بعد التي زادت الوضع سوءا. لقد بعث برسالة مفادها أن - من وجهة نظره - حياة كل البشر ليست بنفس الدرجة من المساواة". لقد دعا الرئيس الأمريكي بالفعل على تويتر إلى إطلاق النار على المتظاهرين لاستعادة النظام وحث السلطات المحلية على استدعاء الحرس الوطني، وهو ما دفع الرئيس السابق باراك أوباما إلى التعبير عن إدانته. كما زاد من غضب اليسار الأمريكي المثار بالفعل والمفزوع من إدارته للأزمة الصحية.

يتابع هوريت بالقول: "مقارنة بحركة ’حياة السود لها قيمة‘ التي ظهرت في عام 2014، فهذه ليست مجرد مشكلة عنصرية. ولا يمكن للأمريكيين أن يقبلوا ما رأوه، فهم الآن بمواجهة خيار يتعلق بالعقد الاجتماعي بل بالحضارة تقريبا: أي أمريكا تلك التي نريدها؟ فكل هذه المظاهرات تدعو إلى إعادة النظر في وسائل العيش المشترك في الولايات المتحدة، وفيما هو مقبول وما هو غير مقبول".

عدد كبير من البيض يشاركون في المظاهرات

على خلاف أعمال الشغب في لوس أنجلس في عام 1992 أو، بصورة أقل، احتجاجات فيرغسون في عام 2014، فإن الحركة الحالية في الولايات المتحدة تجمع بين شرائح متباينة من السكان. فكثير من البيض نزلوا للتظاهر بصورة تلقائية في الشوارع.

فوفق هوريت "بالنسبة لقسم من السكان البيض، كانت وفاة جورج فلويد بمثابة نهاية الأوهام التي ذاعت في الولايات المتحدة إبَّان انتخاب باراك أوباما في عام 2008، أوهام من قبيل ’أمريكا ما بعد العنصرية‘ أو ’أمريكا بلا ألوان‘. ويدرك هؤلاء البيض اليوم أنه لا يزال هناك طريق طويلة لنقطعها لأن العنصرية المؤسسية حاضرة دائما في الممارسات اليومية. لقد أصبحوا على وعي بضرورة محوها". والشباب البيض بوجه خاص باتوا أكثر وعيا وتنظيما بهذا الموضوع. فكما يشير إلى ذلك مدير دراسات معهد دراسات العلوم الاجتماعية العليا في باريس، بالقول: "كثير منهم مؤيدون لبيرني ساندرز أو إليزابيث وارن، وباتوا يمثلون يسارا أكثر تقدما فيما يتعلق بمسائل العدالة العرقية والعدالة الاجتماعية ".

رجال شرطة يظهرون تضامنهم

في هيوستن، مسقط رأس جورج فلويد، انضم قائد الشرطة آرت أسيفيدو إلى المتظاهرين يوم السبت 30 مايو/أيار لإظهار تضامنه معهم. وقال في حديث لقناة "سي إن إن" الإخبارية "أعتقد أننا نشهد نقطة تحول" آملاً في رؤية "إصلاح ملموس وذي مغزى" في طريقة معاملة ضباط الشرطة الذين لجأوا إلى استخدام القوة المميتة.

وفي نيويورك وكنساس سيتي وميشيغان ونيوجيرسي وأماكن أخرى، سار ضباط شرطة إلى جانب المتظاهرين وآخرون ركعوا في وسط الطريق. وهي علامة على أن العقليات بدأت تتغير حتى في صفوف رجال الشرطة. وأوضح هوريت قائلا "إنه لأمر نادر حقا رؤية ضباط شرطة ينضمون إلى المتظاهرين؛ فغالبا ما تتذرع الشرطة بسوء التصرف في هذا النوع من القضايا. لكن ضباط الشرطة هؤلاء الذين نزلوا راكعين على الأرض يظهرون أنهم يرفضون هذه الحجة التي، من الواضح، أنها تُعدُّ خطأ أخلاقيا في مثل هذه المواقف".


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك