عن "خطاب" هادي و"شرعيته"!

أثارت كلمة الرئيس هادي، الكثير من الجدل حول مضمونها، وعمقت الانقسام اليمني الدائر حول "كفاءته"، وزادت من حجم الخلاف داخل المنتمين لصف الشرعية حول استمرار تمثيله لتلك "الشرعية"، وفي الحقيقة فإن ظهور الرئيس بعد احتجاب طويل عن الحديث المتلفز، بدا مفاجئاً ومخيباً للآمال في آن واحد، مفاجئاً؛ من زاوية أن البعض كان يتنبأ بموته، ويتحدث بقلق عمن يخلفه، ومخيباً؛ لتطلعات عموم الناس، الذين كانوا يحلمون بموقف قوي، ينهي - على الأقل - الدور الإماراتي، و على الأكثر، يضع حداً للعبث السعودي.

لقد مثّل سقوط أرخبيل سقطرى وذهابه ليد المجلس الانتقالي المدعوم إماراتيا (وسعوديا)، ضربة قوية للشرعية، التي راهنت؛ ولاتزال، على السعودية في حماية مدينة "حديبو" مركز محافظة سقطرى، المحاطة بقوات الواجب السعودي، وأعاد مشهد السقوط للذاكرة اليمنية انقلاب عدن (أغسطس 2019)، بنفس السيناريو؛ (دعم عسكري إماراتي، وتدخل سعودي تذهب نتائجه لصالح الانتقالي؛ عملياً للإمارات)، جعل الأغلب يصل لأمرين لا ثالث لهما: الرئيس هادي ومن معه، إما باعوا اليمن للمملكة، أو أصبحوا مرتهنين لها وعاجزين عن مواجهتها.

ولم يعد مهماً هنا، هل في الأمر خيانة، أم فقدان كرامة، أم غباء سياسي، فالأمر الذي لم يعد هناك مجال لمناقشته، أن الشرعية؛ ككيان، أضحت مسلوبة القرار والإرادة، ومسألة تحرّر قياداتها من التبعية للقرار السعودي، صعبة حاليا. وفي ضوء ما سبق، يمكن فهم كيف وصل اليمنيون إلى هذا المستوى؛ تمني ظهور صورة رئيسهم وسماع صوته، ليتأكدوا أنه لا يزال حيّا، وأن هناك بصيص أمل من حياته، وانفراجاً ما، من ظهوره متحدثا.

تحدث هادي أمام قيادات تابعة للـ(رئاسة والحكومة ومجلس النواب)، وهي هيئات متصارعة وغير متجانسة، وخاطب في نفس الوقت جماهير شعبه، وكان من الملاحظ إصراره على التمسك باليمن الاتحادي، والمرجعيات المعلنة، وضرورة التوحد ضد مليشيا الحوثي، وهي نقاط تُحسب لـ "خطاب" الرئيس هادي، بالنظر إلى أن كثيراً من القيادات السياسية المنضوية في إطار شرعيته، لم تعد متحمسة لتلك النقاط، أو تدل أفعالها على تخليها عنها.

لقد وصف "خطاب" هادي، ما حدث في سقطرى بالـ"تمرد"، وتحدث عن الذين قاموا بهذا التمرد بكونهم "أبناؤه" تمردوا عليه، وهي لغة فيها من العتاب ومد اليد للتشاور، وتدل في سياقها السياسي على حجم الضغوط السعودية، وبدا واضحاً أن كلمة الرئيس هادي كانت بمثابة رسالة للداخل بأنه متمسك بالأهداف العامة، لكنه يعجز عن تحقيقها في ظل تدخلات (التحالف)، الذي لم يشر له بالاسم، بل فضّل ذكر السعودية دون ربطها بإطارها العسكري؛ تحالف دعم الشرعية، ما جعل البعض يعتقد أن تجاهل اسم (التحالف)، رسالة ضمنية تضمر الاستعداد للتخلي عنه.

من الناحية الطبيعية، تعد كلمة هادي تخليّا عن سلطاته كرئيس، وإخلالاً بواجباته تجاه حماية شعبه، من المخاطر الداخلية والخارجية، وكان من المفترض؛ كما هي رغبة معظم الموالين للشرعية، أن يلوح للسعودية بإمكانية التوجه نحو اتخاذ قرارات سيادية، من ضمنها ايقاف تدخلها في اليمن، إذا لم تتوقف عن التماهي مع مليشيات الإمارات، لكننا إذا ما نظرنا للأمر من زاوية الواقع الراهن، فإن ما سبق مجرد أمنيات مؤجلة.

علينا أن نتذكر جيداً، أن هادي ونائبه ومستشاريه ورئيس حكومته، وقيادات الأحزاب المنضوية تحت شرعيته، هم نخبة من "ثقافة نظام المخلوع صالح"، وأن هؤلاء ليسوا على سواء في مسألة الإيمان باليمن الاتحادي، وبعضهم لا يؤمن بيمن جمهوري موحد، والأحقاد بينهم لا حد لها، وموزعون في الولاءات بين السعودية والإمارات، وقليل منهم من يقدم ولاءه لليمن على مصالحه، وفي ظل هذا المزيج العجيب وغير المتجانس، يقف (هادي) الذي تجتمع فيه خصالهم جميعا؛ رئيسا لهم، ويمكن فهم سر تمسك أغلبهم به، لأن كل واحد منهم يجد بعضا من ذاته في "هادي"، بل إن قبول "كلهم" به، يعود إلى إيمانهم بأنه "ضعيف" يمكن الاستفراد به، مع ملاحظة أن "ضعف هادي" ذهبت أغلب نتائجه لصالح "التدخل الخارجي"؛ إيران والإمارات والسعودية.

في كل الأحوال، فإن حديث الأغلب عن خطاب هادي، ومواقفه تجاه بلده، فيها من الصواب الكثير، لكن حديثهم عن انتهاء شرعيته، فيها الكثير من "الخيال السياسي"، فهادي هو في الأساس رئيس توافقي، تمت تزكيته باستفتاء شعبي، بمعنى أن الجماهير التي صوتت لهادي، لم تقل في الحقيقة "نعم" لهادي، لكنها قالت "نعم" للتوافق المحلي والإقليمي والدولي حول هادي، بمعنى آخر أن هادي بالدرجة الأولى يمثّل "مصالح" القوى المحلية والإقليمية والدولية التي اختارته، وليس "مصالح" الجماهير التي "زكت" اختيارهم له، وإذا ما نظرنا للطريقة التي يدير بها هادي أمور السياسة منذ صعوده، لأدركنا أنه يتصرف بصفته "وكيلا" لمصالح من اختاروه رئيساً توافقيا، ثم كـ "ممثل" لإرادة الجماهير التي رأت فيه أملاً؛ ولا يزال بعضها يرى أنه كذلك.

والخلاصة؛ لقد تحدث هادي؛ نعم، ولم يكن بحجم اللحظة؛ صحيح، ولم يقل شيئاً جديداً؛ صحيح أيضاً، إلا أنه أكد ما يقوله دائماً، وبما يتفق وكونه رئيساً توافقياً؛ التمسك باليمن الإتحادي، وكالعادة، أرضى جميع المحيطين به، وخيّب آمال البعيدين عنه، لكنه لبّى أمنيتهم الأخيرة: أن يظهر ويقول أي شيء.


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك