الإمامة تقاتل لكي تكون هي "الأجنبي" الوحيد في اليمن!

نقرأ في كتاب "الهادي إلى الحق"، الذي يتضمن سيرة أول إمام في تاريخ الزيدية اليمنية، والذي لم يكتبه أحد معاصري الهادي فحسب بل هو إلى جانب ذلك ابن عم الهادي ويدعى علي بن محمد العلوي:

"وسمعت (الهادي يحيى بن الحسين) يقول: "والله ثلاثمائة وثلاثة عشر مؤمن، لا بل لو كان معي خمسمائة لأن تلك كانت فضيلة لرسول الله (في بدر)، لدُستُ بها اليمن".


وهذا يبعث على التساؤل عما إذا كان اليمن حينها على هذه الدرجة من الهوان والإنقسام بحيث يكفي خمسمائة مقاتل يدوس بهم الهادي اليمن؟


نعم؛ فمن الثابت أن الإنقسام السياسي والاجتماعي اليمني هو مصدر غواية الهادي واستسهاله للأمر، وهكذا كان الإنقسام عبر كل الأزمان وصولاً إلى الحالة الحوثية.

لكن ماذا حين يكون لدى ورثة الهادي طيران مسيَّر، وصواريخ بالستية، وسلاح حديث، ونظام اتصالات متطور، وعشرات الآلاف من المقاتلين، وانقسام يمني مفرط في حدته؟


في الحقيقة، لا استطاع الهادي أن يدوس اليمن، كل اليمن، بفرسانه الطبرستانيين وأتباعه اليمنيين المؤمنين، ولم يستطع آخر ورثة الهادي، وهو الحوثي، أن يدوس على اليمن، كل اليمن، رغم دباباته ومدرَّعاته المنهوبة، وطيرانه المسيَّر الذي يحصل عليه من الإيرانيين، وهذا الدعم الإيراني هو المعادل الحديث للإسناد الذي تلقَّاه الهادي من الطبرستانيين ومعهم أنصار متشيعين من العراق.

سرعان ما أحس الهادي بالورطة أمام تعقيدات ومصائد الواقع اليمني، "ذلك لأن الحال في اليمن كان يختلف كثيرا عن الحال في المدينة (بالحجاز) وطبرستان وخاصة طبرستان التي تأصلت فيها العقائد الشيعية وذابت فيها كل التيارات القبلية لتظهر في ذلك التشيع المغالي"، (علي محمد زيد، "معتزلة اليمن، الهادي وعصره").

سيقال أن الحوثي مؤهل عسكريا أكثر من الهادي الرسي للسيطرة على اليمن، فتسليحه وإمكاناته وفرصه أقوى، وأن ما يقف في طريقه هي السعودية وتحالفها.

وهذا غير صحيح.

لن يترتب على فارق التسليح بين الإمام الهادي والحوثي، فوارق كبيرة في النتائج النهائية لمحاولاتهما السيطرة على اليمن وحكمه.

أما السعودية والتحالف التابع لها، فإنهما لا يعبِّران إلّا عن إمكانية مألوفة يفرزها الداخل اليمني في العادة من بين إمكانات مقاومة كثيرة ظهرت تاريخياً في مقابل خطّ الإمامة الزيدية الهادوية التي هي الأخرى إمكانية من إمكانات هذا الداخل اليمني، إمكانية "قابلة للتكرار في شروط يسهل العثور عليها من جديد".

والقول بأن التدخل الخارجي "إمكانية" يفرزها الداخل اليمني، لا علاقة له بأحكام القيمة، والصواب والخطأ، وما إن كان التدخل السعودي موافقاً للأخلاق والقوانين وموافقاً لمصلحة اليمن، أم بغيضاً وشريراً ومناقضاً لمصلحة اليمن وخيره العام، ورأيي أن نتائجه حتى الآن لا زالت مناقضة لمصلحة اليمن ووحدة أراضيه. على أن الحديث عن إمكانية من بين إمكانات كثيرة، يمنع السقوط في التفكير بمنطق الحتميات القاهرة.

ما نود قوله هو أنه حتى لو لم تأت السعودية بتحالفها، كان من المرجح أن يتخلق في الأفق التاريخي، وعلى الأرض في مواجهة الحوثيين، ما يعادل التدخل السعودي جهداً ومفعولاً، بل وربما ما يتفوق عليه جهداً ومفعولاً.

فقبل السعودية، وطوال تاريخ الأئمة، كان المصريين وكان الأتراك وكان الانجليز وكان الأيوبيين وكان العباسيين وشركاؤهم اليمنيين، ومن الداخل كان هناك، على سبيل المثال، علي بن الفضل واليعفريين والضحاك والدعام والزياديين وكان هناك الصليحيين والحاتميين والزريعيين والرسوليين والطاهريين..إلخ، وهكذا وصولا إلى الجمهوريين، شمالا وجنوبا، في ستينات القرن الماضي

هذا ما يقوله التاريخ.

وفي حالة الحوثيين، كانت الفرص في الواقع متاحة، في 2015 وما بعدها، لتولُّد ردّة فعل، أو ردود فعل، يمنية من نوع خاص وبمنأى عن التدخل الخارجي المباشر، لولا أن الرئيس عبدربه منصور هادي وحلفاؤه كانوا، منذ وقت مبكر، قد سلكوا مساراً يجرِّد اليمنيين من كل إمكانية للسيطرة على مصيرهم، لا سيما بعد إدخال البلاد تحت أحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

وباستدعاء التحالف بقيادة السعودية للتدخل في اليمن، لم يفعل الرئيس هادي -كما يتضح الآن بعد 5 سنوات من الحرب- سوى أنه أهدى الإمامة الزيدية ما كانت تحتاجه تاريخياً لتثبيت كيانها الهش على المرتفعات الشمالية من البلاد: "الجهاد" المقدس ضد الأجنبي، رغم أنه لم يكن قط جهاداً باسم الوطن والوطنية بل باسم "السيِّد" "أمير المؤمنين" "ابن النبي"!، كما يزعمون.

وإذا كان الوجود الأجنبي يستفز الأئمة الزيديين بشكل خاص في بعض الأحيان، فما ذلك إلا لأن كل وجود أجنبي في اليمن من شأنه أن يؤدي إلى حرمان هؤلاء الأئمة من مزايا أن يكونوا هم "الأجنبي" الوحيد على الساحة اليمنية، وبالخصوص في الجزء الشمالي المرتفع من البلاد!


ونحن إذ نصف الأئمة هنا بـ "الأجانب"، فليس القصد ما تشير إليه هذه الكلمة من معانٍ في عصر الدول المستقلة المحددة قُطرياً، القصد هنا هو أن الأئمة وفئة من يسمون أنفسهم الأشراف/ السادة لم يكتسبوا مكانتهم العليا في فترات من التاريخ السياسي اليمني، إلّا بسبب كونهم طرفاً تحكيمياً "خارجياً" بالنسبة للتركيبة الإجتماعية لقبائل كانت منقسمة على نفسها وتفتقر إلى مبدأ سياسي للسلطة.

إنه وضع تاريخي يشبه، من بعض الوجوه، نموذج "الدولة الشريفية" التي ظهرت في المغرب العربي خلال نهاية القرن الخامس عـشـر وبداية القرن السادس عشر الميلادي وحلت محل "الدولة القبلية".

ويحصي الباحث المغربي عبداللطيف أكنوش في أطروحته "تاريخ المؤسسات والوقائع الاجتماعية في المغرب" مجموعة من السمات ارتبطت بالدولة الشريفية، ومنها:

"- عدم الانتماء إلى قبيلة أو اتحاد قبلـي معين، فهدفها هو التعالي على القبائل ومحاولة إخضاعها لسلطة موحدة.

- ظهور السلطان [ الإمام] الشريفي بمظهر الحَكَم الأجنبي الذي لا يخوض في غمار الصراع العصبي.

- طابع هذه الدولة يبقي الجهاد الدفاعي ضد الغزو الأوروبي وإعادة إحياء السُنَّة السياسية الدينية الاسلامية، وكذا تقوية الجبهة الداخلية وخلق شروط بناء الدولة الأمة".

وعن ركائز السلطة في الدولة الشريفية، يقول أكنوش أنها "تعتمد في جوهرها على الإنتماء للبيت النبوي، وعلى الدور الذي يقوم به الشرفاء كنخبة اجتماعية وسياسية"، أما وسائل هذه السلطة، بحسب أكنوش، فإنها تقوم "على إنتاج سياسة دينية ترمي إلى احتكار الخطاب الديني والسياسي في البلاد"، (أكنوش، "تاريخ المؤسسات والوقائع الاجتماعية في المغرب" ص54).



وإذا نحن تجاهلنا الفوارق المهمة بين مجتمع المغرب والمجتمع اليمني، فسيبقى هناك فارق أساسي لا نستطيع تجاهله، وهو أن اليمن متعدد مذهبياً، في حين أن الوحدة الدينية في المغرب كاملة: "فليس كل المغاربة مسلمين فحسب، وإنما أيضاً جميعهم مسلمون سُنّة، وإضافة إلى ذلك جميعهم من أتباع المذهب المالكي"، بحسب إرنست غيلنر.


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك