"الأيام البِيْض" لتقدم المساعي الأممية في اليمن!

تجدب كل أيام المبعوث الأممي "مارتن غريفيث"، في مهمته لإنجاز التسوية في اليمن، وتُزهر لثلاثة أيام فقط من كل شهر.


تكون أمي صائمة في منتصف كل شهر وتضفي على المنزل جوا من الروحانية والوقار، وفي ذات الوقت يعلن المبعوث الأممي عن أخبار جيدة بخصوص بعض المساعي "التفصيلية" في مهمته، أيام جميلة!



يقدم مارتن غريفيث، إحاطة شهرية لإطلاع مجلس الأمن على أحدث النتائج لمساعيه، في العادة، تصادف الإحاطة منتصف الشهر، وقبلها بثلاثة أيام تنتعش عملية السلام في اليمن، تبدي الأطراف تفاعلاً واستجابة وموافقة مبدئية على ما يطرحه المبعوث.



يبتسم العجوز البريطاني بتجاعيد كسولة وشفتين غائرتين، ها قد وجد جُملة جديدة ليقولها أمام مجلس الأمن، وتضمن له رصف إحاطته بالعبارات الموسيقية التي تشيد بتجاوب الأطراف وتفاعلها إيجاباً مع جهوده، يقول ذلك بعبارات تشبه تلك التي يطلقها مدربو التنمية البشرية لتحفيز المتدربين.



أحدث حلقة في مسلسل "التكاذب" و "التقدم الملموس" الذي سيرد في الإحاطة المقبلة، يوم الأربعاء المُقبل، هو ما نشرته وكالة رويترز مساء الأحد عن موافقة الحوثيين على السماح لفريق أممي بفحص الباخرة "صافر"، الذي يهدد تهالكها بكارثة بيئية في البحر الأحمر، وظلت محور الجهود الأممية والدولية خلال الشهور الماضية، بسبب تمسك الحوثيين بها كدرع وورقة ضغط لمنع أي عمل عسكري للحكومة والتحالف لاستعادة الحديدة.


سيتلقى إيميل غريفيث أيضاً، ردوداً مرنة وأولية عن خطته للسلام "الإعلان المشترك"، سلّم قبل أيام نسخة معدلة منها عن سابقتها، في إبريل الماضي.



وفي متوالية مسلّية، تُبدي الأطراف مرونتها قبل الإحاطة -خلافا لموقفها- لتتجنب أي إدانة، أو حتى تلميح "ناعم" في الإحاطة، والمبعوث من جانبه يطير فرحاً، لأنه يريد أن يُظهر مقدرته على إحراز تقدم، وعندما تنتهي الجلسة يأخذ غريفيث ومسؤولو التفاوض في الجانبين نفَسَاً عميقاً "لدينا الآن شهر جديد للمراوغة والنقاش".



ولولا الجمود والوضع الحرج، الذي تعيشه الصحافة في اليمن، لكان الأجدر، بأي منصة تحترم القرّاء على الأقل، أن تكتب باقتضاب بعد كل إحاطة لغريفيث: "لا جديد يستحق الذكر في هذه الإحاطة يمكنكم الإطلاع على نُسخ سابقة".


يصوم بعض المسلمين تلك الثلاثة الأيام التي تسمى "الأيام البِيض" من منتصف كل شهر للفوز بأجر العبادة النافلة، ويفعل المبعوث وشركاؤه "طرفا الحرب" للفوز بوقت إضافي للدوران في الحلقة المفرغة، بينما لا شيء يتغير في الواقع.


بنظرة سريعة على "النسخة المُسربة" من خطة المبعوث الأممي للسلام، يُفهم أن هذه الخطة تهدف فقط لديمومة هذا الوضع، نقاش نقاش نقاش، وعندما يتفقون على خطوة ما، فإن أي طرف غير راغب في التنفيذ، لا يعدم عذراً او مبرراً للمماطلة، تتناسل الحُجج كالفطر أمام مرونة المبعوث السائلة.


من الواضح أن المبعوث الدؤوب، يغرق في مربع نصيحة قديمة استحسنها في بداية مهمته، من خبير هاوٍ في الملف اليمني، تقول إن عليه تجزئة المشكلة، والاعتماد على حلول جزئية تقود في مجملها الى حل شامل، وها هو يقضي شهوراً بحالها لإنجاز "معاينة" على سفينة ملغومة، تنام في طرف البحر، ولم تكن مشكلة مذكورة عند بداية مهمته، وربما نجده في العام المقبل يناضل لإقناع محمد علي الحوثي بالإفراج عن طاقم ليز غراندي أو السماح لهم بالاتصال بأهاليهم. ليس مستبعداً إن استمر في نهجه الحالي.



وبما أن غريفيث ومنظمة الأمم المتحدة ذاتها لا يملكون القدرة والثقل الكافي للتوصل الى حل للأزمة في اليمن، فإن على السيد مارتن غريفيث على الأقل أن يوقف "حفلة التكاذب" المملة. فلدى اليمنيين ما يكفيهم من النماذج الخائبة.


* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك