(وحدوية) هادي والإصلاح أهون للانتقالي من (وحدوية) الخُمس الحوثية!

يسيطر على قيادات وأنصار المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً، الاعتقاد بأن هزيمة حكومة هادي ومعها حزب الاصلاح في مأرب والشمال أمام زحوفات الحوثيين، ستكون في نفس الوقت انتصاراً لمشروع انفصال الجنوب.

هذا الاعتقاد منتشر على نطاق واسع بين النخب وفي أوساط الناس العاديين. وقد جاء في تقرير مجموعة الأزمات الدولية الصادر في 2 يوليو الجاري تحت عنوان "إعادة التفكير في كيفية تحقيق السلام في اليمن": "يعتقد بعض ممثلي المجلس الانتقالي الجنوبي أن لمجموعتهم مصلحة في التوصل إلى تسوية مع سلطة الأمر الواقع في صنعاء، إذا كان بالإمكان إقناع الحوثيين بأن تقتصر طموحاتهم السياسية والمناطقية على شمال اليمن (وهي فكرة يتشاطرها معهم بعض القادة الحوثيين لكن ليس جميعهم)".

وفي هامش الصفحة يشير معدو التقرير إلى أنهم استخلصوا أفكار المجلس الانتقالي والحوثيين في الفقرة السابقة من "مقابلات أجرتها مجموعة الأزمات الدولية مع مسؤول في المجلس الانتقالي الجنوبي عدن مارس 2019، ومع مسؤول في المجلس الإنتقالي (عبر الهاتف) في مارس 2020، ومع مسؤول حوثي صنعاء يوليو 2019، ومع مسؤول حوثي (عبر الهاتف) ديسمبر 2019".

هذه الصفقة المستقبلية التي يومئ إليها قادة المجلس الانتقالي والحوثيين، ليست سوى وهم خالص لا يقوم على أساس.

في الوقت الحالي، تصطدم (انفصالية) المجلس الانتقالي الجنوبي الصريحة بـ(وحدوية) حكومة هادي المعترف بها دولياً، وتصطدم بالأخص مع (وحدوية) أحد مكونات الشرعية ممثلاً في حزب الاصلاح، وهذه النزعة الوحدوية من جانب حزب الإصلاح كانت، في 2015، تقاتل في خندق واحد جنباً إلى جنب مع النزعة الانفصالية الجنوبية -التي استولى عليها الانتقالي لاحقاً- ضد (وحدوية) صالح - الحوثي عندما كانت القوات الموالية لهما متوغلة في عدن وبعض المحافظات الجنوبية، (على الرغم من أن الوحدة لم تكن هي دافع الحوثي المعلن للذهاب إلى الجنوب عام 2015، بل محاربة من يسميهم بـ"الدواعش").

وفي حال استطاعت (انفصالية) المجلس الانتقالي اليوم أن تقلل من خطر (وحدوية) هادي وحزب الإصلاح، أو في حال زوال هذا الخطر نهائياً بموت هادي وتدمير حزب الإصلاح، فلا يظنَّن المجلس الانتقالي أن مشروع الانفصال بات آمناً وبمنأى عن الخطر.

إذا اختفى هادي وحزب الإصلاح من الساحة، ستجد (انفصالية) المجلس الانتقالي نفسها وجهاً لوجه مع (وحدوية) الحوثي مجدَّداً، وهي مجمَّدة في الوقت الحالي، لأن حزب الإصلاح وهادي يقفان في الوسط كممثلين للوحدوية مقابل انفصالية الانتقالي والحوثي معاً.

وقد يكون خطر (وحدوية) هادي وحزب الاصلاح على مشروع وطموحات الانتقالي هو الأضعف بالمقارنة مع (وحدوية) محتملة قد يقوم الحوثي بتفعيلها فجأة والتعبئة باسمها بمجرد خروجه من هذه الحرب ظافراً بالشمال. ووحدوية الحوثي أشنع من كل الوحدويات السابقة واللاحقة، وحدوية فيها "الخُمس"، وفيها تطييف وتسميم للمجال العام وقهر، وفيها حسن زيد ابن يحيى الذي يكتب هذه الأيام من صنعاء باسم الجنوب عن تحالف (7/7) ويبشِّر بعدالة "سيدي ومولاي العَلم عبدالملك الحوثي".

سيندم الانتقالي على وحدوية هادي والإصلاح لأنها -بقصد أو بغير قصد- هي التي وفَّرت لانفصاليته، في البداية، الغطاء الذي تريده للتشكُّل والانتشار، وهي التي أخلت للإنتقالي -ومن خلفه الإمارات- المكان ليفعل فيه ما يشاء.

ليس هناك ما يدل على أن طموحات الحوثيين ستقتصر على الشمال حتى لو أوحوا بذلك الآن. سيجد الحوثي نفسه مدفوعاً بقوة انتصاره لتوسيع دولته جنوباً باسم الوحدوية أو باسم أي عنوان أو شعار آخر. ولا توجد ضمانات حينها تلزمه بالتوقف عند خط معين يقوم بوضعه هاني بن بريك.

أمّا "الوحدوية" التي نقصدها في هذا المقال، فهي، على الأقل، كل توجّه معلَن للسيطرة على اليمن، كل اليمن، والتحدث باسم اليمن، كل اليمن، والتفكير في اليمن، كل اليمن، بصرف النظر عن التفاصيل الأخرى.

وليست "الوحدوية" نوعاً واحداً على مرّ التاريخ، وهي ليست جيدة بالمطلق ولا سيئة بالمطلق، بل هي جيدة أو سيئة بحسب الزاوية التي نرى بها الأمور.


ولا ريب أن التاريخ يمجِّد لحظات التوحيد السياسي، وتتخذ الشعوب منها عيداً ورمزاً لولادة كيانها الجامع.

وبخصوص اليمن الحديث، فكل نزعة توحيدية، أو اتحادية كما يقول أنصار هادي، لا بد أنها تعطي الأفضلية الأخلاقية والسياسية لصاحبها، حتى لو كان الحوثي، في مقابل دعاة التفكيك. لكن ادعاء الوحدوية لا يكفي حين يكون صاحب الدعوى هو الحوثي. فما قد يكسبه من أفضلية بوحدويته المدعاة، يخسره بسلوكه وفكره ومشروعه الطائفي التقسيمي التفكيكي.


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك