المعتقدات والخرافات الشعبية في اليمن.. تحدي التابوهات يبدأ من هنا

المعتقدات والخرافات الشعبية في اليمن.. تحدي التابوهات يبدأ من هنا

عقب مرحلة التأسيس التي لقيت تفاعلاً كبيراً وواسعاً حققته خلالها، مجموعة على منصة فيسبوك باسم «معتقدات وتقاليد يمنيّة قديمة»… أعلن مؤسسا المجموعة الباحثان مُحَمّد عطبوش وأحمد العرامي عن قُرب صدور أول كِتاب، ضمن إسهام مشروعهما في توثيق تراث الذاكرة الشعبية لبلدهما، بعنوان «المعتقدات والخرافات الشعبية في اليمن»، وهو ما أثار ردود فعل بعضها انتقد صدور كتاب توثيقي اعتماداً على منصة تواصل اجتماعي.

وهنا يؤكد مُحمّد عطبوش، أن المجموعة أنشئت تلبية لحاجة الكِتاب، فيما أوضح العرامي إن الكِتاب هو نتاج اشتغال منذ عام، حيث كان هناك أمل أن ترعاه منظمة «اليونسكو»، لكنه تعثر بسبب جائحة كورونا، ثم كانت لفكرة إمكانية استكماله عبر مجموعة تواصل اجتماعي أهمية كبرى أكثر مما توقعاه، وفق منشور على فيسبوك. واعتبر العرامي، وهو طالب دراسات عليا، وشاعر وباحث صدر له كتاب بعنوان «ديانة اليمن السرية»، أن هذا الكِتاب الذي سيصدر قريباً، قد ساهم فيه كثير من الناس بحب وشغف، معرباً عن الأمل في أن يكون خطوة أولى في جمع وتدوين الموروث الثقافي اليمني. فيما ذكر عطبوش أن المجموعة «انشئت تلبية لحاجة الكِتاب الذي ظل فكرة ترادونا منذ لاحظنا حاجتنا إليها. بعبارة أخرى، كنا نبحث عن كِتاب يجمع المعتقدات اليمنيّة، وحين لم نجده فقد قررنا إعداده«.

مشروع إنقاذي

وفي حديث إلى «القدس العربي» أكد عطبوش، وهو طالب علاقات دولية، وله عدد من الأبحاث، بالإضافة إلى كُتب منها «نقدر الإعجاز العلمي»، «أزمة الدين والعلم» ، أهمية هذا المشروع بالنسبة لليمن باعتباره ـ كما يقول- مشروعا أشبه بـ»الإنقاذي»، موضحاً أن «اليمن يتمتع بموروث شعبي هائل ومتنوع، ولكنه آخذ في النسيان، وخطر النسيان هذا أصبح داهماً، مع تغوّل الإعلام والتواصل والتمدن من جهة، ومكافحة التيارات المتطرفة لبعض جوانبه من جهة أخرى، فأصبح من الواجب إنقاذه قبل أن يضيع، وقد تأخر هذا المشروع كثيراً… ومن هنا تأتي أهمية هذه الخطوة الأشبه بالإنقاذية في نظري».

تدقيق الكِتاب

وكان الإعلان عن قرب صدور الكِتاب قد أثار بعض ردود الفعل التي استغرب أصحابها من الاعتماد على مجموعة في منصة تواصل اجتماعي، لإصدار كِتاب يتعلق بالمعتقدات والخرافات الشعبية.. وهنا يوضح عطبوش أن الكتاب «يتضمن توثيقاً سردياً لتنويعة واسعة من المعتقدات والممارسات الخرافية والأساطير الشعبية والعادات الموروثة ذات الطابع الخرافي. وسيكون الكِتاب أشبه بمعجم جامع، مقسّم إلى فصول وأبواب بحسب المواضيع، حتى يكون مرجعاً للباحثين».

لكن السؤال: علام اعتمدتم في اختيار ما سيتضمنه الكِتاب؟ وعلام اعتمدتم أيضاً، في تدقيق مضمونه؟ يجيب عطبوش: «ما يميّز هذا العمل أنه من المشاريع القليلة التي وظفت مواقع التواصل الاجتماعي وإمكانياتها غير المستغلة في الوصول إلى شريحة واسعة، وفي وقت قصير وبدون تكلفة تذكر». مشيراً إلى أن «ثمة مشاريع عربية رائدة نفذت ذلك بنجاح، مثل مجَمَع اللغة العربية الافتراضي الذي يجمع البيانات بشكل تفاعلي من آلاف المغردين، وقد صدر عن هذا المجمع معجم من جزئين، وعلى هذا النحو (بالإضافة لمصادر أخرى) انطلق مشروعنا الأولي، على منصة فيسبوك باعتبارها المنصة الاجتماعية الأولى في اليمن».

ولم ينكر عطبوش أن لهذا المسلك المختصر «بعض السلبيات والعقبات مثل صعوبة التثبت من المعلومات، أو ورود معلومات مغلوطة أو شهادات مشوهة، ولكن النسبة الأكبر من المعلومات قابلة للتحقق، وتصلنا بما يشبه «التواتر» من عدة مصادر مختلفة، بشكل يسمح بمقارنتها والركون إليها، وتمييز الأصلي فيها من الزيادة التي تطرأ بطبيعة التداول الشفاهي، بالإضافة إلى عزمنا على النزول إلى بعض المناطق، التي لاحظنا ثراءها بالمعتقدات والممارسات، بغرض توثيقها عياناً وبتفصيل أكبر

الخرافات والتابوهات


ويأتي تخصيص الكِتاب الأول، الذي سيصدر عن هذا المشروع، للمعتقدات والخرافات الشعبية انطلاقاً، وفق عطبوش، من أن «الخرافات والمعتقدات الشعبية هي إحدى أكثر أجزاء الموروث اليمنيّ عرضة للضياع، ولذلك أسباب عديدة لعل أهمها، أن هذه المعتقدات كثيراً ما تكون مرتبطة بتابوهات (أو محرمات) دينية ومجتمعية، تعيق تداولها الطبيعي، وبالتالي وصولها إلى الباحث، وحتى عندما تجد طريقها إلى التوثيق تظل هواجس بعض الباحثين الدينية حاجزاً دون تناولها بشكلها صريح، لأسباب دينية أو تجنباً لسخط القارئ، أو حتى جهة النشر، لكننا في هذا العمل، وكل أعمالنا المستقبلية، سنحرص على تجاوز هذا العوائق التي تعرقل البحث العلمي الموضوعي المحايد».


على الغلاف الترويجي للكِتاب وضع الباحثان قبل اسميهما كلمة (إعداد) في إشارة إلى أن جهدهما اقتصر على تجميع المضمون؛ وهو ما أكده عطبوش، موضحاً ان عملهما «يقتصر على جمع المادة الأولية، وإعادة صياغتها بشكل يلائم النشر، بدون الإخلال بالمعلومة، ثم فرز المادة على أبواب وفصول، لكن بالتأكيد يتم تطعيم ذلك بالشروح والحواشي اللازمة». معتبراً ذلك «عملا معقدا لا يقل عن التأليف والدراسة، وسوف تعقبه أعمال أخرى تحلل المادة التي جمعها هذا الكتاب».


ولم ينكر عطبوش أن لهذا المسلك المختصر «بعض السلبيات والعقبات مثل صعوبة التثبت من المعلومات، أو ورود معلومات مغلوطة أو شهادات مشوهة، ولكن النسبة الأكبر من المعلومات قابلة للتحقق، وتصلنا بما يشبه «التواتر» من عدة مصادر مختلفة


منصة فيسبوك

وكان الباحثان عطبوش والعرامي قد أطلقا مجموعة «معتقدات وتقاليد يمنية قديمة» على فيسبوك بهدف «مشاركة أي منشور عن عادة غريبة أو تقليد موروث أو معتقد أو خرافة شائعة في اليمن»، ووصل عدد أعضائها خلال شهرين تقريباً لأكثر من 35 ألف عضو، وتتواتر المنشورات يومياً بأعداد كبيرة لمرتادين من جميع انحاء البلاد. 


«انطلاقة المجموعة كانت عفوية بسبب تأجيل النزول الميداني مع جائحة كورونا، لكن التفاعل الكبير الذي حظي به، دفعنا لتغيير الخطة. بالطبع لا تكفي المجموعة وحدها، ولكنها أصبحت وسيلة أساسية نحصل منها على مفاتيح للانطلاق، وأخذ تصورات عما عليه الحال». يقول عطبوش مشيراً إلى أن سبب التفاعل الكبير مع المجموعة ربما يكون في «توقيت الإطلاق تزامناً مع حالة الحجر الصحي، بالإضافة إلى استعداد الناس للمشاركة، وبالتأكيد الجدية والصرامة في إدارة محتوى المجموعة؛ وهنا نشيد بجهود حوالي 40 صديقا وصديقة تطوعوا لإدارة المجموعة، بل جمع محتواها وفرزه معنا».

الحرب


يبقى السؤال عن الحرب، وهل الوقت مناسب لإطلاق هذا المشروع؟ هنا يقول أحمد العرامي لـ"القدس العربي"، إن هذا الظرف يعزز من أهمية المشروع، «ففي أوقات الحرب يبقى التراث وكل أشكال الثقافة أكثر عرضة لخطر النسيان، ينطبق ذلك على الثقافة المادية كالآثار والعِمارة والحِرف التقليدية، وكذلك على الثقافة اللامادية كالمعتقدات والفنون الشعبية كالغناء والرقص والموسيقى الشعبية». مشيراً إلى «كثير من جوانب الفلكلور التي تتعرض للطمس أو التوظيف السياسي أو النسيان. من هذا المنطلق كان لا بد من مشاريع تحاول الحفاظ على التراث في ظل الحرب انطلاقاً من مسؤولية ثقافية وإنسانية بحتة».


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك