عن قضيّة الأغبري أيضاً!

إلى أين وصلت قضيّة الأغبري؟! قالوا بأنّ أجهزتهم "الأمنيّة" ألقت القبض على الجناة، كما أنّ الدّليل على اقترافهم تلك الجريمة بات معروضاً للعالم أجمع وبنصاعة شمس صيفيّة، فلماذا تأخير القصاص؟!

قبل أيّام خرج النّاس في مظاهرة يطالبون بالقصاص للأغبري، وعلى الفور مضى إعلاميّو الميليشيا يتناولون المسألة في سياقين متباينين: الأوّل أنّ الحوثي رائع وطيّب ويسمح للنّاس بالخروج في تظاهرات، والثّاني أنّ تلك المظاهرة إنّما خرجت بإيعاز من حزب الإصلاح لغرض النّيل من "أمن" صنعاء، والحاصل أنّ حملة اعتقالات سرعان ما أقدمت عليها الميليشيا لتزجّ بالعديد ممن خرجوا خلف الشّمس.

أنّ التظاهرة تلك خرجت بإيعاز من حزب الإصلاح، فهذا ادّعاءٌ من السُّخف التّعليق عليه حتّى. أمّا كون الميليشيا لم تقمع ذلك الاحتجاج بشكلٍ مباشرٍ فهو مجرّد تكتيك للظهور بمظهر الدّولة، وأّنها أقدمت إثر ذلك على حملة اعتقالات واسعة فذلك نوع من الإرهاب ليس غريباً عليها. على أنّ كلّ ذلك يثبت شيئاً واحداً: صدمة الميليشيا من أنّ وجدان الشّعب لم يمت بعد! نعم، لقد مثّل لها ذلك صدمة: أنّ الناس لا يزال بوسعهم أن يعترضوا، أن يضجروا، أن يحنقوا، وأن يثوروا ولو على تفصيلٍ لا يمسّها بشكلٍ مباشر.

بعض المثاليين صبّوا كلّ جهودهم في هذه القضيّة على اتّهام من خرجوا في ذلك الاحتجاج بالجُبن والادِّعاء. قالوا إنّهم ما خرجوا إلا لأنّ المسألة لا تمسّ الميليشيا بشكل مباشر ولإدراكهم بأن ثمّة هامش واسع للسّلامة. وهذا التّناول وإن كان فيه الكثير من الصّواب إلّا أنّ الاقتصار عليه يفصح عن انهزامٍ كلّيٍ وعن لا وعيٍ. إنّه تناول لا يُرجى منه سوى تيئيس النّاس، كما أنّ فيه ملمح عنجهيّة يثير الاشمئزاز. إنّه دأبٌ على كتم وإطفاء كلّ بصيصٍ للصّحوة، ويأتي عن جهلٍ ساحقٍ بمرحليّة الشّعوب في التعبير عن احتقاناتها.

إنّ هؤلاء المثاليين لا يستوعبون أنّ الوصول إلى المُطلَق والمثاليّ يمرّ عبر استنفاد النّسبيّ بمرحليّة تطول وتقصر. من الطبيعيّ أن يستعيد النّاس شجاعتهم بالتّدريج، أن يتلمّسوا طريقهم للثّورة باستغلال الممكنات في البداية ضمن حدود السّلامة. كما أنّ من الطبيعيّ أن يُطالبوا الميليشيا الظالمة والمجرمة بالقصاص لضحيّةٍ كالأغبري. ففي جريمة كهذه سيكون القصاص مُرحّباً به ولو قام به الشّيطان شخصيّاً، والنسبيّة هنا تقول كلمتها، وعلى الطّموح للمثاليّة، أقول هنا في هذه القضيّة بالذّات، أن يتغافل قليلاً.

أمّا جماعة الأذكياء جدّاً، أصحاب التصوّرات البوليووديّة وعشّاق أفلام الغموض والحبكات البوليسيّة، والّذين لا يتوانون في اختراع سيناريوهات تضفي على القتلة أعذاراً وعلى الضحيّة التباساً، وكذلك أولئك الّذين يتناولون القضيّة من زاوية أنّها مُنتَج حوثيّ بالكامل ولأغراض دعائيّة وكنوع من التكتيك الإعلاميّ، فعليهم أن يراجعوا ذواتهم في أمرٍ محدد واحد: هل من اللائق والإنسانيّ حينما تكون هناك ضحيّة لقت حتفها على ذلك النّحو الهمجيّ، أقول هل من اللائق حينها أن تصمّ أذنيك عن نداء قلبك وأن تُصغي لصوت العقل وهو يبدع تهويماته؟!

بالتّأكيد ثمّة ثغرات في هذه القضيّة، في طريقة عرضها، ولكن هل هذا يعطي العذر لتمييعها على هذا النّحو؟! إنّ القصاص لهذه الضحيّة يجب أن يظلّ أولويّة. ذلك أنّ التّساهل في حقٍّ فرديٍّ، حقٍّ على هذا القدر من الوضوح، لا يمكن أن يؤخذ على أيّة حال على أنّه احتراز يتغيّا صَون المجموع. فبالنّهاية لا يأتي الانهيار الجماعيّ إلا كنتيجة للصّمت والتعامل السلبيّ مع القضايا الفرديّة، وهل ثمّة اليوم قضيّة فرديّة أكثر نصوعاً من قضيّة الأغبري؟!

* من صفحة الكاتب على الفيس بوك


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك