وماذا بعد؟!

جميل هذا الاحتشاد لتعرية ورفض التزوير الذي أقدم عليه الشميري في هرائه الموسوعي، لكن إن كان هنالك من درس علينا استخلاصه من ذلك فهو أن كتابة التاريخ لا تقل أهمية عن صناعته، بل قد تتجاوزها.

إن النقلات التاريخية تتم دوماً بالجُهد الحركي، بالفعل، بالصراع المباشر، وهي مهما امتدت أزمنتها تظلّ، قياساً بتيار الزمن الكلّي، مجرّد لحظة. ووحدها الكتابة، التدوين، تتمكن من القبض على اللحظة التاريخية لحبسها وجعلها ماثلةً أمام الأجيال على تعاقبها، صامدةً أمام نهر التاريخ ومستعصيةً على تحلل الذاكرة وسعار النسيان.

إن أكبر خطيئة يقوم بها جيل ما، سيما جيل شهد مرحلة تاريخية غنية بالأحداث الكبيرة، أن يهمل التوثيق بشتّى أدواته ووسائطه. هذا الخطأ الكارثي يحدث غالباً بحسن نية وانطلاقاً من المقولة: "الآن وقت الفعل، ثم سيأتي يوم وندوِّن"!

إن اهتمام أي كيان بالتوثيق، وانطلاقه في هذا الجهد بنظامٍ مؤسسي ولو بمستوى أدنى وحسب ممكناته، هو من أكبر الأدلّة على نضج هذا الكيان، على أخذه لمشروعه على محمل الجدّ ومن زاوية الديمومة لا انطلاقاً من ضغط اللحظة واستراتيجية إطفاء الحرائق.

في مرحلتنا التاريخية الراهنة، بما هي عليه من أهمية مصيرية، دعوني أفزعكم بهذه الأسئلة: ما تقييمكم لأدائنا في توثيق الأحداث؟! ما نوع المواد التي نشتغل عليها؟! هل ثمة مؤسسة رسمية معنية بهذا الشأن؟! هل نمتلك إرشيفاً ما؟!

حسب ما أرى ليس هناك أي اهتمام رسمي، وحتى المجهودات الفردية في هذا الشأن نادرة جداً، وهي فوق ذلك تمضي لتنقّب عن أحداث الماضي بذريعة استدعاء العبرة والدرس، متناسية أن من الأجدر والأهم الاضطلاع بتسجيل اللحظة، بتدوينها مباشرة وما زالت محتفظة بطزاجتها، بتداخلاتها ووضوحها، وهو ما يضمن للأجيال القادمة رؤية صافية لهذه المرحلة، لنكون بذلك قد أنجزنا واجبنا الذي لا نكف ندين الأجيال السابقة بأنهم قصروا في إيصاله إلينا.

اليوم سنسلخ الشميري بما يستحق، كما سنسلخ كلّ من يتجرأ على مسّ حقائق نضال هذا الشعب بأية طريقة وبأي مستوى، لكن ألن يكون باعثاً على السخرية أن نسلخهم بمنشورات فيسبوكية تُنسى من فورها وتُمحى بضغطة زر في حين أولئك يقدمون على التشويه بموسوعات وكتب تستعصي على الموت أو التلف؟!

الانفعال اللحظي مطلوب، جميل ورائع ومحفّز، لكن إن لم نقم بترجمته لخطّط وبرامج تحلّ الإشكال وتقارع التزوير وتدحضه وتحفظ الحقيقة، ما أمكن منها، للأجيال اللاحقة، إن لم نقم بذلك، فيا لنا من ساذجين، بل يا لنا من مغفلين!


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك