جنون النسوة

حين تستشري الخيانة والخديعة وتهزم المدافع والدبابات وتسقط الطائرات، حين تقتحم المعسكرات ويتقاسم القادة العسكريون مصائرهم بين قتيل و أسير و هارب، حين يرحل السياسي والإعلامي والحقوقي خوفاً من مصير مشابه لزملائهم الذين وقعوا في قبضة المليشيا المدعومة محلياً واقليمياً و دولياً ، منهم من مات تحت التعذيب ومنهم من ينتظر.

حين يحدث كل ذلك ثم تتجاسر بعض النساء لمطالبة المليشيات بالإفراج عن أولادهن وآبائهن وأزواجهن المختطفين لديها والسماح لهن بزيارتهم ، أو الافصاح عن مصائره.
فإنه الجنون العظيم !


ذلك الجنون الذي أسس فكرة "رابطة أمهات المختطفيين والمخفيين قسراً في اليمن" التي فرض عليها أن تواجه - منفردة- مختلف المليشيات الإجرامية شمالاً وجنوباً، وأن تواجه قبل ذلك ومعه الاستخفاف العام بها من قبل المنتهكين والمنظمات الدولية وبقية المجتمع الذي انتظر أن يقفن معه في طابور الاستسلام.

وإن وُصفت هذه الرابطة بالجنون فقد أطلقت صفة المجنونات - من قبل- على أمهات المختطفين في الأرجنتين في سبعينيات القرن الماضي.

إذ تأسست "أمهات ساحة مايو" بعد انقلاب 1976 الدموي ، الذي قاده الجنرال "خورخي رافائييل" الذي أطاح بحكومة ايزابيل بيرون، ثم ارتكب بعدها أبشع الجرائم فيما سمي يومها ب "الحرب القذرة " حيث بدأ باختطاف وتعذيب الجماعات اليسارية المسلحة المعارضة للإنقلاب وبعد القضاء عليها انتقل للقضاء على المعارضة السلمية في المدراس والجامعات بل لم ينج حتى المتعاطفين مع المعارضة، ومن ثم اعتقل وعذب حتى المطالبين بزيادة الأجور أو تحسين الأوضاع الاقتصادية.

أسكت النظام الديكتاتوري كل الأصوات، إلا أن صوتاً واحداً لم يثنه كل هذا، صوت على ضعفه وتعبه بقى يصرخ في وجه الديكتاتور: أين ولدي؟

وفي 30 أبريل تسلحت 14 امرأة بالفجيعة الكبرى و خرجن إلى "ساحة مايو" أمام قصر الرئاسة بالعاصمة بيونس آيرس ينفذن اعتصامات أسبوعية مطالبات النظام الديكتاتوري بالكشف عن مصير أولادهن.

كان الرد الأول للنظام الديكاتوري ناعماً جداً فقد كانت السخرية هي كل ما نالهن من رجال الأمن الذين أطلقوا عليهن اسم "الأمهات المجنونات" ولكن النظام الديكتاتوري لم يكن من هواه السخرية بل كان العنف هو هوايته المفضلة والتي تعامل بها مع "أمهات ساحة مايو" لاحقاً ، فلقين ما لقيه أولادهن من قتل وتعذيب.

أجبر النظام الأمهات على وقف الاحتجاجات الأسبوعية لكن الأمر لم يكن سوى استعداد لأنشطة مختلفة إذ تضاعف عددهن و بدأن بالبحث عن مصير أولادهن بالطرق القانونية الحكومية ونشرن إعلانات في الصحف الرسمية ووزعن المنشورات والملصقات على الحافلات العامة والقطارات و مختلف الأماكن العامة الأخرى.

ولم يتوقف عملهن هنا بل استعن بشخصيات مشهورة مثل الحاصل على جائزة نوبل "خورخي لويس بورخيس" وكذلك المدير الفني لمنتخب كرة القدم "سيزار منوني.

تم تأسيس (منظمة أمهات ساحة مايو ) وبعد جهود شاقة تحت التهديدات والقمع الشديد استعادت (أمهات ساحة مايو) يوم الخميس الأول من عام ١٩٨٠ الساحة، واستأنفن الاحتجاج أسبوعياً كل خميس.

وفي 1982 انهار الاقتصاد الأرجنتيني وخسر المجلس العسكري حربه ضد بريطانيا فانضم الآلاف إلى "ساحة مايو" في مسيرة المقاومة التي استمرت 24 ساعة وفي 10 ديسمبر من ذات العام انهارت شرعية النظام واستسلم للضغوط الشعبية والدولية و أتت بعده حكومة ديمقراطية افتتحت عملها بانشاء اللجنة الوطنية المعنية باختفاء الأشخاص وفي عام 1984 نشر تقرير تحت إسم "لم يعد مرة أخرى" يوثق وحشية النظام العسكري لسبع سنوات وهو التقرير الذي مهد لمحاكمة عدد كبير من جنرالات النظام العسكري وحكم على بعضهم بالسجن مدى الحياة.

الجنون الذي وصف به النظام العسكري "أمهات ساحة مايو" كان هو المدفعية التي نسفت طغيانه الى غير رجعة، فهل جنون النساء أعظم من مكرهن؟! وهل نتسلح بجنون النساء اذا استسلم العسكري وتنازل السياسي؟!


* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك