طفل الشاي.. بأكوابه يوثق فداحة الواقع

طفل الشاي.. بأكوابه يوثق فداحة الواقع

يستيقظ الأطفال كل صباح متذكرين الأحلام التي رسموها لما سيكونون عليه في المستقبل، إلا أن على الطفل "محمد الزبيدي" (12عاماً) قمع أحلامه، والذهاب باكراً إلى عمله، في بيع الشاي، بأحد مطاعم مدينة تعز؛ جنوب غربي اليمن.

بأعوامه العشرة وابتسامته النقية، ينهمك محمد في عمله وهو يطوف بالشاي على زبائنه، لكنه ما أن ينهي توزيع ما يحمله من أكواب، يسترق التقاطة سريعة على حلمه مستخدماً حاملة الأكواب الحديدية ككاميرا يحلم أن يحملها يوماً؛ ليغدو مصوراً مشهوراً، كما يقول.

أجابني حين سألته عما يفعله، وقد وجه عدسته الحديدية نحوي، غير متنبه لتركيزي عليه، فقال: "أشتي أكون مصور مشهور"، فاتحاً بلهجته الشعبية البسيطة وحلمه الأنيق باباً لسرد قصة جديدة من قصص عمالة الأطفال في اليمن.

ظروف أسرية

يعول محمد أسرته الفقيرة المكونة من والد مريض، وأم، وثلاثة أخوة صغار، ينتظرون كل يوم عودته، مساءً، بما تمكن من توفيره من بقايا أكل من المطعم الذي يعمل فيه، وبأجر يومي قال إنه لا يزيد عن ألف ريال، ما يعادل 1.2$، والتي لا تكفي حتى لثمن علاج والده المريض.

يحلم محمد أن يصبح مصوراً؛ ليحقق شغفه، وليتمكن من إعالة أسرته وعلاج والده، لذا فهو يتمرن كل يوم على طريقة حمل الكاميرا، بحامل الشاي الحديدي، وبلا نصائح أو إرشادات، يقول: "أشوف المصورين كيف يمسكوا الكاميرا وأقلدهم؛ عشان أكون جاهز لما أكبر وأشتري لي كاميرا مثلهم!!". ثم يواصل الحديث بانكسار وخوف: "الوضع صعب، ويا الله ألاقي حق أكل لأهلي، بس ربنا كريم".

لم تتمكن المعاناة وفداحة الواقع من كسر أمنيات محمد، لكنه، بأمله هذا، يوثق مأساة بلد أكلت الحرب أجمل سنين أطفاله.

أرقام مفزعة

تفيد تقارير دولية إن ما يزيد عن مليوني طفل يمني يعملون في ظل أزمة اقتصادية ومعيشية حادة، جعلت أكثر من 80% من السكان تحت خط الفقر، فيما تحذر منظمات أممية من الزيادة المستمرة في عدد الأطفال العاملين، خاصة مع استمرار الحرب التي تشهدها البلاد للعام السادس على التوالي، والتي أدت إلى ارتفاع حدة الأزمة الإنسانية التي يعيشها المدنيون في اليمن.

تأثيرات بعيدة المدى

ويرى الناشط في الدفاع عن حقوق الطفل "مقبل جازم" أن الأوضاع المعيشية التي سببتها الحرب، ضاعفت من عدد الأطفال العاملين، مضيفًا: "عمالة الأطفال لها نتائج خطيرة، ليس فقط على صعيد تأثيراتها النفسية على الطفل، بل تمتد إلى المجتمع، وخاصة إن أشرنا إلى نشوء جيل جديد من الأطفال العاملين الذين حرموا من التعليم".

ويشير مقبل الى أن أول الحلول الواجب عملها هو إيجاد برامج لتأهيل الأطفال العاملين، وإدماجهم في المجتمع، وتوفير ملاذات آمنة خاصة بهم؛ حتى تساعدهم على استعادة طفولتهم، والانخراط في التعليم مجدداً.

وتعد الظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشها اليمنيون، واحدة من أسباب التزايد المستمر في إحصائيات الأطفال العاملين، إضافة إلى انهيار منظومة التعليم، وغياب مؤسسات الدولة، وتجميد مشاريع المجتمع المدني التي كانت مخصصة لمكافحة عمالة الأطفال.

* تم إنتاج هذه المادة من قبل شبكة "إعلاميون من أجل طفولة آمنة" التي يديرها مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي وبتمويل من اليونيسف (منظمة الطفولة)".. وتنشر بمناسبة اليوم العالمي للطفل وفقًا لتفاهم بين الموقع والشبكة.


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك