يواصل معركته ضد "التمييز".. "طنم" موهبة مغمورة تخنقها الحرب وبؤس الحياة

يواصل معركته ضد "التمييز".. "طنم" موهبة مغمورة تخنقها الحرب وبؤس الحياة

بوجه شاحب أرهقته نوائب الدهر وأثخنت فيه ضرباتها الموجعة، يفترش "سليمان طنم" الرصيف وتحيطه بعض الأحذية في سوق "أحمد عبده سيف" في بيرباشا غرب مدينة تعز، وهو يحمل في جيبه" المخرز "مصدر رزقه الوحيد بعد أن قست عليه الظروف المعيشية منذ الصغر، كان إحداها مرض الشلل النصفي الذي أقعده سبع سنوات بجوار أمه في "منطقة البرح " التابعة لمحافظة تعز، كابد فيها ويلات المرض وتبعاته لسنوات.


سليمان علي محمد طنم المولود عام 1973 في عزلة جبل رأس بمحافظة الحديدة، شاعر لطالما نالت كتاباته حيزا في الملحق الثقافي لصحيفة الجمهورية الرسمية، ومؤلف عشرات القصائد والقصص القصيرة التي احترق أغلبها خلال الحرب في تعز.

من أوجع ما كتبه سليمان هذه الأبيات التي يسكب فيها معاناة أبناء البشرة السوداء

همساتٌ في قلب المعبد

ومناجٍ في الليل الممتد

أشياء في الليل الصامت

تتجلى في أجمل مشهد

وهنا في المعبد عصفور

في روض يبحث عن مرقد

لا عشب لا ماء فاذهب

لا مأوى للوجه الأسود

يا زمنا في عهد سليمان

للطير دوما يتفقد

يحتفظ سليمان بالعشرات من قصائده التي لم تر النور بعد، لكنك تستطيع أن تلحظ ولو كان حدسك ضعيفا ملامح الوجع والألم في وجه سليمان وهو يروي قصة احتراق مجلداته الشعرية بداية اندلاع الحرب في العام 2015 قائلا: "لست مقهورا على شيء سوى قهري على مجلداتي التي احترقت بداية الحرب في تعز" مضيفا أن نصف مجلداته الشعرية احترقت نتيجة سقوط قذيفة على منزله الكائن في بير باشا.


إبداع منسي وتهميش للمهمش

تاريخيا ومنذ ما قبل الصراع الجاري، حدّت ظاهرة التمييز الاجتماعي ضد المهمشين من وصولهم إلى التعليم والرعاية الصحية والإسكان والعمل المجدي، وفاقمت الحرب الراهنة مشاكل هذه الفئة ورسخت فقرها الشديد، وأدى التمييز ضد المهمشين إلى تقييد وصولهم إلى المساعدات الإنسانية وصعّب على أولئك الذين نزحوا بسبب القتال عملية الحصول على ملاذ آمن.

سليمان الذي ينتمي لفئة المهمشين لم يتسن له الإلتحاق بالمدرسة في بلاده التي تفتقر للتعليم باعتبارها الحلقة الأضعف في البلاد، لكنه استطاع بمفرده أن يكسر حاجز الجهل عن نفسه، وتجاوز ذلك إلى كتابة العديد من القصائد التي جاءت ثمرة لجهوده وشغفه الدائم في التعلم.

وفي حديثه "للمصدر أونلاين" يقول سليمان :" درست سنة واحدة في محو الأمية التابع لمنقطة جبل رأس وبعدها لم أستطع المواصلة بسبب الظروف المعيشية وخصوصا بعد أن تزوجت أمي إلى منطقة البرح ".

كان لدى طنم شغف كبير للالتحاق بالعمل الصحفي والثقافي ولكن ظروفه ومعاناته في تأمين لقمة العيش حالت دون تحقيق ذلك، فقد عصفت به الأيام واستنزفت أحلامه في المجال الأدبي.

ورغم معاناته إلا أنه لازال يكتب قصائده ويتشبث بما تبقى من موروثه الشعري، والآن يعيش وكله أمل في أن يجد من يخلد له هذا العمل.

ومضى بالقول:" أملي الوحيد أن أجد من يطبع لي هذه القصائد، واخاف أن أموت وتموت معي كل هذه القصائد التي كتبتها ".

واصفا ما يحدث له من إهمال بالقول :" العنصرية تحتقرنا نحن المهمشين وتجعلنا في أدنى الطبقات، نحن محتقرون مهما كنا ومهما صنعنا فلفظة "أخدام" تلاحقنا ووصمة العنصرية لا تترك لنا طريقا إلا وتبعتنا فيه ".


تفاقم الأوضاع المعيشية على المثقفين

شهدت السنوات الخمس الأخيرة في اليمن، الذي يعاني الحرب، تراجعاً ثقافياً كبيراً، انعكس سلباً على كافة الجوانب إلى حدٍ خفتَ فيه صوت الكلمة خلف ضجيج آلة الحرب. تلك الصورة القاتمة عن المشهد الثقافي أفرزت حالة من اليأس لاسيما لدى الفئات الأضعف من المبدعين، فجعلتهم يعيشون في عزلة إبداعية وتغييب تام عن الساحة الأدبية.

لا يحصل المبدعون في اليمن حتى على الاهتمام الشكلي والدعم المعنوي. وتموت كثير من الابداعات في مهدها ومن يقاوم يغمره النسيان والتجاهل. وتقف المعوقات والصعوبات حاجزا أمامهم وتتغلب عليهم أحيانا ومن ينتصر يعيش وحيدًا.

يتساقط المثقفون اليمنيون على رصيف الحاجة والفقر يوما بعد آخر، ويغيّب الموت عددا من الأدباء والمبدعين اليمنيين خلال سنوات الحرب الجارية، فيما كان الموت جوعا يحاصر آخرين.

ومع استمرار الحرب في اليمن، تلقي بظلالها على أدباء اليمن الذين يعيشون غرباء ويموتون على أرصفة الخذلان والتنكر ويتربص الجوع بشريحة كبيرة ممن فقدوا مرتباتهم الحكومية ومصادر دخلهم، فضلا عن الذين لم ترى قصائدهم النور وسليمان واحد منهم.


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك