إرهابيون.. وبعدين؟!


قبل أن يتخد الأمريكان قراراً بتصنيف مليشيا الحوثي منظمة إرهابية، نحن نعرف جيداً، وكل من تابع عن كثب جرائم الحوثيين التي بدأت بإسقاط الدولة (أم الجرائم)، يعرف أن مليشيا الحوثي أسوأ جماعة إرهابية عنصرية عرفها العالم. 

لكن ما الجديد الذي يمكن أن يترتب على هذا القرار الذي يفترض أن يدخل حيز التنفيذ في التاسع عشر من الشهر الجاري؟ 

يفترض أن يسهم القرار في محاصرة لوبياتهم المنتشرة حول العالم من الشبكة الناعمة التي تبيض جرائمهم، كما يمكنها أن يضيق على التدفقات المالية التي تساعد المليشيا على تمويل أنشطتها، وتدفع كثيراً من الشركات والتجار الذين يتعاملون معهم إلى وقف التعامل.

لكن في ظل استمرار الحكومة الشرعية والتحالف بإدارة المعركة على نحو ما جرى خلال الست سنوات الماضية فإن ذلك سيساعد المليشيا على امتصاص آثار وتبعات هذا القرار عليهم بينما ستذهب كثير من تلك التأثيرات السلبية باتجاه الشعب من خلال التضييق على التحويلات المالية وربما يتسبب في أضرار بالغة بالعملة اليمنية.

الحكومة الشرعية التي يعترف بها العالم كله تواجه اليوم مليشيا مصنفة كمنظمة إرهابية، فهل ستتمكن الحكومة وفقاً لهذا التصنيف من تسليح جيشها لتتمكن من خوض مواجهات حاسمة تهدف لتخليص الشعب من قبضة جماعة إرهابية سطت على الدولة وعلى سلاحها ومواردها واستخدمت الشعب كرهائن أو دروع بشرية.

بقاء الجيش الوطني معتمداً في سلاحه ومرتباته على الأشقاء يجعله يراوح في مربع الدفاع و"حرب التباب" ويسلبه الفاعلية والقدرة على امتلاك قرار إدارة وتحريك المعارك. 

معركة الإستنزاف طالت والتهمت عشرات الآلاف من اليمنيين على الضفتين، وتفاقمت التأثيرات الاقتصادية للحرب حتى غدت المجاعة أشد المخاطر التي تتهدد ملايين الناس، ومع ذلك فإن الاحتفاء بقرار واشنطن تصنيف مليشيا الحوثي كمنظمة إرهابية دون حدوث تغيير في الأداء السياسي والعسكري والإداري للشرعية ومن ورائها التحالف سيغدو أشبه باحتفاء قطاع واسع من اليمنيين، وأنا منهم، بالتدخل العسكري للتحالف العربي حيث كنا نعتقد أنه سيوجه الضربة القاضية للمليشيا وسيجبرها علي التخلي عن انقلابها وسيمكن اليمنيين من استعادة الدولة.

أصدر مجلس الأمن القرار ٢٢١٦ يدين الإنقلاب ويؤكد على انسحاب المليشيا من العاصمة وتسليم السلاح للدولة ورأينا في هذا القرار خطوة جبارة ستساعد الشرعية والتحالف في المعركة التي يخوضونها وستمنحهم إسناداً لإجبار المليشيا على تنفيذ مضمون القرار الأممي إلا أن كل هذه القرارات فقدت فاعليتها وأهميتها مع مرور الوقت وكادت أن تنسى.

صناعة انقلاب ثاني في عدن، ودعم تشكيلات مسلحة متعددة لا تتبع الحكومة الشرعية بل مناوئة لها، واندفاع الأشقاء لتعزيز هيمنتهم في الجزر والسواحل والأطراف البعيدة عن مناطق المواجهات مع الحوثيين أصاب معركة اليمنيين في مقتل وجعلها تبدو لكثيرين حرباً لا أفق لها ولا غاية ولن ينتج عنها سوى إبقاء اليمن في دائرة الاحتراب اللانهائي.

كان موقف الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس الجمهوري المنتهية ولايته "دونالد ترامب" أفضل من سابقتها في التعاطي مع الصراع الدائر في اليمن وقدمت الغطاء والدعم للتحالف الذي تقوده السعودية ومع ذلك لم يتم استثمار هذا المناخ، القرار الذي اتخذته إدارة ترامب في ساعاتها الأخيرة بتصنيف الحوثيين ضمن المنظمات الإرهابية كان بمثابة دفعة دعم إضافية وأخيرة للتحالف الذي تقوده السعودية في اليمن، واستباقاً لما قد تحمله الإدارة الديموقراطية القادمة في جعبتها من رؤى وتوجهات خاصة بالشأن اليمني على غرار مبادرة "جون كيري" التي أهيل عليها التراب مطلع العام ٢٠١٧ عقب مغادرة الديموقراطيين البيت الأبيض.

فلا استغلينا فرص الدعم لحسم المعركة ولا تخلقت أمامنا فرص لصناعة سلام حقيقي لأن كلب الصيد الإيراني في جنوب الجزيرة العربية يمسك الفريسة بين مخالبه ولن يتخلى عنها مالم يتلقى ضربة تفقده القدرة على التوازن.
تابعت تصريحات وزير الخارجية بن مبارك وناطق الحكومة التي تقول إن هذه الخطوة الأمريكية ستساعد في الضغط على الحوثي للخضوع لعملية السلام، وهي في تقديري تصريحات حالمة. ومن خلال متابعة طريقة الحوثيين ومن ورائهم إيران في إدارة المعركة يمكن الجزم أن الحوثي لن يقبل بأي اتفاق سلام مالم يفقد السيطرة على السواحل وطرق تهريب السلاح والمنافذ التي تمنحه إيرادات ضخمة، ويفقد القدرة على الهجوم وينتقل إلى مربع الدفاع.

حتى ونحن نحتفي بأي مكسب أو نصر سياسي أو عسكري متوهم، علينا أن لا نركن أننا قضينا عليهم، بل نحتاج إلى أن نقتصد في الإحتفاء وننظر إلى بعيد لنستشرف النتائج التي يمكننا الخروج بها وما الذي يتوجب علينا فعله لاستثمار أي خطوة نعتقد أنها تخدم معركتنا، فلن ينتصر لنا العالم كله مالم نحمل هم قضيتنا وننتصر لأنفسنا.

* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك