كيف يحتمي الحوثيون خلف ضحاياهم

كلمتان بالإنجليزية في خانة البحث حول موضوع قرار الخارجية الأمريكية تصنيف الحوثيين كجماعة إرهابية، وتتقافز في وجهك عشرات العنواين القادمة من الصحافة العالمية، معظمها يتراوح بين التحذير والاعتراض ضد القرار؛ وعلى الرغم من كل الحذلقة التي تهيمن على الشروح والتفاصيل، فإنها تعجز عن إخفاء الحقيقة المريرة عنك، وهي أن معاناة ملايين اليمنيين كل هذه السنوات على يد الجماعة الحوثية بلا معنى بالنسبة لهذا العالم.

مرحلة الخراب الشامل التي يعيشها اليمنيون منذ ست سنوات، والتي دشنها الحوثيون في 2014 بانقلابهم على الإجماع الوطني ثم حافظوا على كونهم أبطالها المتفردين منذ ذلك الحين، وبلغت فيها الأزمة اليمنية مستوى "الأسوأ عالمياً"، لم تؤهل الحوثيين بعد، في نظر قطاع عريض من الرأي الغربي، لاستحقاق التصنيف كمنظمة إرهابية. كيمني، عليك أن تستنتج من ذلك أنك لا زلت مباحاً ومشروعاً للمزيد والمزيد من القهر الحوثي، وعليك أن تهيء نفسك لذلك! هل هناك استنتاج آخر؟

قد يبدو لك التحذير مقبولاً إلى حد ما، لأنه يتضمن مقداراً معقولاً من الشك تفرضه الاحتمالات المتعددة للمسار الذي يمكن أن يتخذه هذا القرار، فالقرار بحد ذاته لا يضمن أن يكون الحوثيون هم الخاسر الأكبر من تبعاته، والتحذير هنا يمكن أن يأخذ معنى المطالبة بضمانات معينة لحماية الأبرياء من تأثيرات القرار؛ وطوال الأيام السابقة كان هناك الكثير من الحديث، على المستوى المحلي، عن دور مصيري للسلطة الشرعية وحلفائها في ضمان أن يكون القرار ضرباً من العدالة ضد الحركة الحوثية ولصالح ضحاياها. ما هو مستفز هو الاعتراض الواثق الذي تتزعمه جهات يسارية وليبرالية في الغرب، والتي تتذرع بالدافع الإنساني حصراً وتقدم نفسها بذلك كجبهة متقدمة في الدفاع عنك أنت اليمني من البؤس والمعاناة التي سيجلبها عليك القرار، من دون أن تكلف نفسها عناء النظر إلى معاناتك بشيء من التجرد.

لسبب أو لآخر، يسقط من اعتبار غالبية المعترضين العالميين أن الأبرياء الذين يحلو لهم تقديم أنفسهم كمدافعين عنهم هم أولاً ضحايا مباشرين للحركة الحوثية قبل أن يكونوا ضحايا بالتبعية للقرار الأمريكي الذي يستهدف الحوثيين. لا أثر في اعتراضاتهم للمعاناة الإنسانية التي يتكبدها اليمنيون كل يوم من جماعة رجعية غاصبة تمييزية لم تضع السلاح لحظة واحدة منذ عقدين من الزمن ، وأشعلت النيران على امتداد الخارطة اليمنية ، وليس هناك ما يشعرك أنهم بذلوا أي جهد في محاولة تحديد الحوثية كسلطة قهرية وتمييزها عن ضحاياها المقهورين ، وهم الملايين المجردين من كل سلطة.

الأنانية تظهر جلية خلف اعتراضات كثير من المسؤولين الغربيين، والدبلوماسيين السابقين، وأصحاب الرأي، وتسوقهم باتجاه التهوين من خطر الحركة الحوثية أو وضعها في صعيد واحد مع السلطة الشرعية، هذا إذا لم تورطهم في اختزال الجماعة الحوثية، بكل وقاحة، كحركة مقاومة وطنية في وجه أطماع الجيران؛ والخلاصة النهائية لهذا المنطق أن الحوثيين بدل أن يدفعوا ثمن الجرائم التي اقترفوها في حق اليمنيين يحصلون على فرصة ذهبية في الاحتماء خلف ضحاياهم.

وأيضاً هناك الكثير من التعليقات الحرة والتلقائية التي اعترضت على القرار ويظهر أنها تعترض فقط لأنها تتوجس من كل خطوة تقدم عليها إدارة مكروهة عالميا كإدارة ترامب، ولا تثق بقادتها العنصريين، مفتقرة إلى الوعي الكافي بخطورة هذا الموقف الذي يقبض على عنصريي البيت الأبيض ويحرر عنصريي صنعاء في نفس الوقت، ويضاعف من عزلة ملايين اليمنيين الذين يدفعون بشكل يومي ثمن الوجه العنصري خاصتهم.

ثمة خراب كبير في نظرة العالم لما يجري في اليمن، وهذا القرار عكس الكثير من هذا الخراب على السطح، ولا تدري إذا ما كان بإمكانك القول إنه من حسن الحظ أن ذلك حصل تزامناً مع صعود حكومة جديدة تسمح لنفسك بالمراهنة عليها في بناء دبلوماسية جديدة قادرة على إصلاح بعض هذا الخراب.. لكن لنأمل!


* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك