عن الرّهانات الخاسرة

بالنّسبة لنا نحن اليمنيين فإنّ الحوثيّة جماعة إرهابية منذ تمرّدها على الدّولة، منذ الوهلة الأولى من زحفها الوحشيّ لالتهام الجغرافيا والأحلام والتّاريخ والهويّة، إرهابيّة منذ أوّل دمٍ سفكته ومنزلٍ فجّرته.

بعد ست سنوات من إيغال الحوثيّة في الدّم اليمنيّ، في انتهاب مقدّرات هذا الشٌعب، في تشريد المواطنين بعد السطو على أقواتهم وتدمير منازلهم وسلبهم أبسط بديهيات الحياة،لسنا في حاجة لأيّ جهة تأتي فتقول لنا إنّ الحوثيّة جماعة إرهابيّة.

اتخاذ واشنطن هذا القرار بوسعه يكون مبهجاً على صعيد استقرائنا لما سيترتّب على هذه الخطوة من ضغوط وتضييق على هذه الميليشيا، لكنّ المحزن أن نستقبل نحن في الصف الجمهوريّ هذه الخطوة وكأنّها هي ما كنّا ننتظره لإدانة الحوثيّ وأنّها، هذه الخطوة، ستتكفّل بإعادة الأمور إلى نصابها!

حين جاء التحالف العربي استبشرنا به خيراً، لكنّ الأمر لم يمضِ على نحو ما كنّا نحلم ونتوقّع. على مدى سنوات من تدخل التحالف بدا أنّه لم ينجز سوى أن عزّز المثل القائل: "ما حكّ جلدك إلا ظفرك". لم يأت التحالف على سبيل المساندة الأخوية (يا للتصوّر الشاعريّ حينها!) ولا فقط لأنّ الرئيس استغاث به، جاء ليأخذ منّا بدوره ما يريد وقد وجد بلادنا تنزلق أكثر فأكثر إلى حضن الخصم الإقليمي، جاء ليفرض أجندته هو الآخر، ليأخذ هذا الساحل وذاك الميناء ويقرّر ما يكون هناك وما سيكون هناك.

إنّ هذا الدّرس من الوضوح بحيث يمنعنا من استقبال أيّة ومضة تأتي من خارج الحدود باعتبارها خيراً محضاً لصالح قضيّتنا، سيّما حين تكون هذه الومضة أنّ واشنطن قررت أخيراً أن تلقي على الميليشيا الحوثيّة لعنتها. إنّ التهليل لهكذا إجراء، وإن كان مفهوماً في سياق التكتيك، إنّما يكرّس في النّهاية ذلك التشوّه الكبير بأنّ دولةً وحيدةً في هذا العالم تمتلك على نحوٍ حصريٍّ امتياز أن تلقي على أيّ كيانٍ أو دولةٍ صفة الإرهاب، هكذا مستندةً لمنطقٍ وحيدٍ هو منطق مصلحتها وتوازنات لحظة الإعلان!

أمريكا ليست الرّب، وبمعزل حتى عن الجانب الأخلاقيّ فإنّ في تكريس هذا النّهج كواقعٍ مقبولٍ خطورةً تتهدد الجميع، إذ ما الّذي سيمنع أن تتغيّر معطيات اللحظة الراهنة بما يدفع مزاج واشنطن في لحظةٍ آتيةٍ ما لإعلان الجيش الوطنيّ بدوره منظمة إرهابيّة؟! أليس أنّ إحدى دول تحالفنا العربيّ أقدمت على تصريحٍ كهذا حين وجدت جيشنا الوطنيّ يمضي أيضاً إلى سحق مشروعها الاستعماريّ؟!

خلاصة الكلام أنّ كلّ رهانٍ على الخارج هو رهان خاسر، وأنّ الرّهان الوحيد الكفيل بخروجنا من هذا النّفق هو رهاننا على أنفسنا نحن اليمنيين، نحن الشّعب المنطوي على كلّ إمكانيّات التّحرير، والّذي يحتاج فقط قيادةً بمستوى التحدّي ونخبةً تعمل على ترميم ثقته بنفسه وإعادته إلى الذاتيّة الّتي مُزِّقت طوال السنوات الماضيّة في التعويل على كلّ ما هو من الخارج.

* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك